لم يكن هذا المقال يخطر على بالي.. ولكن الوضع الذي ساقني إلى هذا المقال هو عبث تلك الصبية من طفيليات الإعلام.. وحتى لا تطغى هذه المقدمة على صلب الموضوع فإني كنت قبل أشهر فى إسطنبول بتركيا.. تلقيت مكالمة هاتفية من إحداهن وقدمت لي نفسها بأنها مقدمة برنامج فى إحدى القنوات الخاصة (تجارية).. وقالت لقد زكاك الأستاذ (فلان الفلاني) لكي تتحدث بهذه الحلقة عن الشيخ علي الطنطاوي.. قلت لها خيرا إن شاء الله.. وعندما عدت إلى جدة تلقيت اتصالا آخر منها حددت معي الموعد وطلبت إرسال الموقع وقد كان.. ومضى الأحد (الموعد) والاثنين فى أعقابه ولكن شيئا لم يحدث.. ولكني فى مجال الإعداد لهذا البرنامج أجريت اتصالا هاتفيا بالصديق الدكتور سميح الخضرا لمعرفتي بأنه كان صديقا للشيخ.. ونصحني بالاتصال بالابن علاء حتاحت الشيخ حفيد الشيخ علي والذي كان على مستوى المسؤولية متجاوبا وخصني بهذا الكم من المعلومات.

ولد الشيخ علي مصطفى الطنطاوي عام ۱۹۰۹م بمدينة دمشق لعائلة يعود نسبها إلى طنطا التي هاجر جده منها إلى دمشق. والده الشيخ مصطفى الطنطاوي كان أمين الفتوى بدمشق وتوفي بمرحلة مبكرة من حياته وعمر الشيخ علي ۱٦ سنة فقط مما وضع عليه أعباء القيام بأسرته -وهو أكبر إخوته الخمسة- بمرحلة مبكرة من عمره.

جمع في دراسته بين طريقتي الكتاتيب في المساجد والمدارس النظامية. أتم دراسته الثانوية عام ۱۹۲۸م، والجامعية (بعد أن قضى سنة واحدة في القاهرة بدار العلوم العليا) عام ۱۹۳۳م من جامعة دمشق بحصوله على ليسانس في الحقوق.

عمل في الصحافة وفي التعليم وفي القضاء خلال فترة ما بعد تخرجه وحتى هجرته للسعودية (من 1933 وحتى 1963م).. قضى أغلبها في دمشق ولكنه تنقل بينها وبين بغداد وبيروت والقاهرة.. حسب ما اقتضته عليه ظروفه، وروى في كتابه «الذكريات» الكثير من القصص والعبر التي مرت عليه بهذه السنوات الخصبة من حياته. كما قضى هذه السنين بتأليف أغلب أعماله والمشاركة في الصحف المختلفة وكذلك الإذاعة التي أذاع منها من مراحل مبكرة من عمره بإذاعة الشرق الأدنى من يافا ثم إذاعة بغداد وإذاعة دمشق أخيراً لمدة طويلة.

انتقل رحمه الله إلى السعودية عام ۱۹٦۳م، وحمل جنسيتها من العام ۱۹۷٦م.. قدم أولا إلى الرياض مدرساً في الكليات والمعاهد التي أصبحت لاحقاً جامعة الإمام سعود الإسلامية، ثم حقق رغبته بالانتقال إلى مكة المكرمة في السنة التالية، مدرساً في كلية التربية بمكة، ثم كلف بتنفيذ برنامج للتوعية الإسلامية على مستوى كليات وجامعات المملكة المختلفة. سكن في مكة ردحاً طويلا من الزمن بأجياد مجاوراً للحرم المكي، فكان بيته مزاراً للعلماء والدعاة من كافة أنحاء الأمة حين يأتون لزيارة الحرم، ثم انتقل في منتصف الثمانينات إلى العزيزية بمكة، وبعدها بسنوات إلى جدة ليكون أقرب إلى بناته في كبره.

اشتهر خلال سنوات وجوده بمكة بظهوره الإعلامي، فكان له برنامجان على التلفاز (أو الرائي كما كان يحب أن يسميه).. برنامج أسبوعي كل يوم جمعة عنوانه «نور وهداية»، وبرنامج ذائع الصيت يذاع كل رمضان اسمه «على مائدة الإفطار».. حقق خلالهما انتشاراً هائلا.. كذلك كانت له مشاركات صحفية لا تنقطع، بالإضافة إلى برنامج إذاعي بمسمى «مسائل ومشكلات».. وألف رحمه الله العديد من المؤلفات بمواضيع مختلفة، منها الأدبية «كقصص من الحياة» و«قصص من التاريخ» و«رجال من التاريخ» و«وصور وخواطر»، ومنها الإسلامية مثل «في سبيل الإصلاح» و«الفتاوى» وكتابه الأشهر «تعريف عام بدين الإسلام». كذلك له مؤلفات في السيرة الذاتية أشهرها «الذكريات» الذي نشر على حلقات في صحيفة المسلمون ثم صحيفة الشرق الأوسط قبل أن تجمع بثمانية مجلدات، كذلك كتابه «من نفحات الحرم» و«بغداد»، وغيرها.

توفي رحمه الله عام ۱۹۹۹م بجدة بمستشفى الملك فهد.. قبل أن ينقل جثمانه إلى مكة ليصلى عليه بالحرم المكي ويدفن بمقابر العدل بمكة.. وترك الشيخ علي زوجته وبناته الأربع بعد استشهاد الخامسة عام ۱۹۸۱م بآخن ألمانيا على يد عناصر من النظام السوري البعثي، وهي الحادثة التي أثرت على نفسية الشيخ حتى مماته بسبب حبه الشديد وتعلقه ببناته جميعاً.

وللحديث بقية وحسبي الله ونعم الوكيل.

* كاتب سعودي

alialrabghi9@gmail.com