-A +A
محمد أحمد الحساني
بعض الموظفين إذا ما تقلد منصباً وظيفياً حتى لو كان مجرد رئيس قسم أو مدير إدارة خدمية أو نحوها من الوظائف التنفيذية، فإنه يصاب بالهيام والعشق لمنصبه ووظيفته، حتى أنها تكون شغله الشاغل ليس من حيث الاهتمام بتطوير أدائها وتقديم مبادرات تسهل العمل وترتقي به، بل من حيث أنه يملأ جلساته العائلية والاجتماعية بالحديث عما أنجزه وما مر به من مواقف وما اتخذه من تدابير تضمن له البقاء مدة أطول في موقعه، فهو إن جالس أصدقاء في مجلس أو شارك في مناسبة اجتماعية، فإنه يحرص على فتح حوار طويل ممل حول عمله الوظيفي، وربما يتلقى سؤالا عابراً يسأله إياه أحد الحضور عن عمله الجديد وكيف وجده فيهتبلها فرصة لتقديم تفاصيل عن جميع ما يدور في إدارته.. اليوم خصمت على الفراش لأنه تأخر في الصباح وجاءني بشاي بارد.. وأحلت موظف الأرشيف للتحقيق لأنه غير منظم وأريت المراجعين العين الحمراء النظام.. النظام ولا شيء غير النظام، وقد يستمر في الإجابة على ذلك السؤال العابر ساعة أو ساعتين وكلما حاول السائل صرف وجهه عنه وكزه بيده وقال له: خليك معايا ! فيجامله السائل ويستمر يحدق في وجهه متظاهراً بالإنصات إليه مع أن قلبه يكون في صمم، وهكذا لا يجالس أحداً إلا وتكون وظيفته حديثاً بين جلاسه عملاً بقول الناظم:

ولا جلست إلى قوم أحدثهم


إلا وكنتِ حديثي بين جلاسي

ولا شربت نمير الماء من ظمأ

إلا رأيت خيالاً منكِ في الكاسِ!

إن هذا العشق للوظيفة وأضوائها قد تجعل عاشقها يفعل أي شيء من أجلها لأن أهم شيء لديه هو ألا يأتي من «يشوش» عليه سعادته بها، ومن أجل ذلك قد يطبق قاعدة إدارية فاشلة تقول: من لا يعمل لا يخطئ فيحول إدارته إلى مركز لـ«التنابلة» الذين يقضون جُلّ أوقات الدوام في امتداح أخلاقه الطيبة وتسامحه معهم وحمايته لهم من أي مساءلة أو شكوى بدحضها والادعاء أن كل شيء على ما يرام فإن كان رؤساؤه من العينة نفسها فإن مصالح الناس تضيع أو تتعطل أو لا تسير حتى يتم دهن السير وعاشق الوظيفة على مكتبه الوثير لا يعلم شيئاً عما يدور!

* كاتب سعودي

mohammed.ahmad568@gmail.com