صدرت مؤخرا مجموعة مهمة من القرارات الملكية، جاء من ضمنها تعيين ثلاثة وزراء جدد لوزارات الشؤون الإسلامية والعمل والثقافة (والأخيرة تم استحداثها مؤخرا). وهذه الوزارات كلها من الوزارات المحورية والتي لها دور حيوي في تكوين المجتمع بحسب موقعها ووظيفتها.

يجيء الوزير عبداللطيف آل الشيخ إلى هذا المنصب وهو الرجل المعروف بشجاعته في مواجهة الفكر المتطرف ودفع الثمن غاليا جراء مواقفه المبدئية والشجاعة، والكل يعلم التهديدات التي كان يتلقاها بشكل متواصل ومستمر. اليوم يأتي إلى منصب مهم مفروض من خلال وزارته أن ينعكس وبشكل عملي وواضح الخطاب الوسطي المنفتح الذي ينادي به من قبل القيادة السعودية، وهو خطاب يجب أن ينعكس من خلال خطب المنابر والدورس الدينية في الإذاعة والتلفزيون والمنشورات والمطبوعات التي تحث على الانفتاح على المدارس الفكرية في العالم الإسلامي بحيث تكون قبلة المسلمين فعلا «حاضنة» لكافة المسلمين وإلغاء الخطاب العدائي ضد أهل الكتاب بالشكل المتمادي الذي كان عليه قبل، ومراعاة واحترام الاختلاف بين الطوائف والمذاهب والأديان.

الشؤون الدينية يجب أن تعكس خطابا متسامحا بين السعوديين أنفسهم أولا، ولو نجحت في ذلك سينعكس بطبيعة الحال على العالم. وكذلك الأمر بالنسبة للأوقاف وهي تقع ضمن نطاق واهتمام الوزارة، فهذه مسألة مهمة بحاجة لعقول مالية (بالإضافة لمرجعية دينية) لأن توظيف الأوقاف بالشكل المثالي بحاجة لعقول متمرسة في الاستثمار حتى تتحقق أفضل العوائد المطلوبة حفاظا على الأوقاف نفسها وإنجاز الأفضل لأجل أهدافها.

أحمد الراجحي وزير العمل الجديد يجيء من القطاع الخاص إلى هذا المنصب الحساس وهو التاجر والصناعي سليل الأسرة المالية المعروفة، وكان مثل غيره من رجال الأعمال ممن أصيبوا بالضرر نتاج سياسات وزارة العمل المتخبطة في حق القطاع الخاص والتي أثبتت أنها سياسات «منفرة» في حق بيئة العمل ولا تحفز على التوظيف وطاردة للاستثمار. إذا ما «أصر» الوزير الجديد على الاستمرار في نفس السياسات فكل الأمل أن تطال «العقوبات» وزارة التجارة والهيئة العامة للاستثمار ووزارة الصناعة ووزارة الصحة وكل الوزارات التي تتعطل عندها تراخيص وتصريحات وأنظمة تعيق إنشاء المؤسسة والشركة، وأن يتم وضع أهداف «رقمية» للتوظيف لهذه الوزارات، وأن يوضعوا في «نطاقات» خضراء وحمراء تخصص لهم إذا ما حققوا أهدافهم أم لم يحققوها وتنعكس بالسلب والإيجاب لاحقا على موازناتهم التي يطلبونها من وزارة المالية. لأن التوظيف والعمل لا يمكن أن يكون من مسؤولية القطاع الخاص وحده ويتحمل كل عبئه ووزره وحيدا. سياسات وزارة العمل سياسات منفرة لبيئة العمل والاستثمار وهي بحاجة للمراجعة والمهم أن الوزير يعلم ذلك جيدا.

وزير الثقافة الأول في تاريخ السعودية هو الأمير الشاب بدر بن عبدالله بن فرحان وهو يجيء وسط «انفتاح» ثقافي سعودي غير مسبوق على الفنون والآثار والثقافات والأهم أن لا يكون كل هذا التوجه لمخاطبة العالم الغربي ولكن الأهم هو رفع درجة التثقيف والقبول للشعب السعودي نفسه في الداخل حتى يرى ما يمكن أن يقدم في بلاده وما في بلاده من آثار وثقافات وحضارات يجب أن تنعكس في تفكيره وتعليمه وتربيته وسلوكه. سيكون مهماً معرفة توجه الوزير في مسائل المسرح والسينما والترفيه والكتاب ومعارضه والموسيقى والأوبرا والمعارض الثقافية والأوركسترا الوطنية والمعاهد الفنية المتخصصة كل هذه العناصر هي التي تساهم في صناعة مشروع ثقافي وطني عميق ومتكامل ومستدام حتى لا يكون الاهتمام فقط بالجانب «الخبري» اللحظي فقط. وكل الأمل أن يحيط الوزراء الثلاثة أنفسهم بأهل الكفاءة وليس أهل الثقة فهم الذين سيقدمون القيمة المضافة. الناس تلقت اختيار الثلاثة بارتياح ولكن يبقى العمل والأداء هما المحك الرئيسي.