والبزبوز أو الصنبور تسمية شائعة عندنا، أما في مصر فيسمونه الحنفية، ويقال إن سبب التسمية هو أن السقايين في مصر قد غضبوا من هذا الاختراع الذي سيلغي الحاجة لهم وسيقطع رزقهم، لذلك ذهبوا للمفتي يشكون حالهم فتم إصدار فتوى تضامناً معهم تحرم البزبوز، لكن أتباع المذهب الحنفي لم يقبلوا هذه الفتوى ورحبوا بهذه الآلة الجديدة التي سميت حنفية نسبة للمذهب. ولو كان لي أن أختار لاتخذت البزبوز في مقدمة الاختراعات التي جعلت الحياة أيسر وأنظف، ونحن مدينون لمخترع البزبوز الإنجليزي توماس كامبل، فشكراً جزيلاً له.

والصنبور أو الحنفية هي النهاية الطبيعية لعالم معقد من التمديدات والأنابيب التي تمرر الماء في دورة منتظمة من أسفل مكان تحت الأرض إلى أعلى صندوق في المنزل، ليتم استدعاء الماء عند الحاجة فيتدفق تباعاً في دورات وأوردة المنزل فيغمر حياتنا بالارتواء والنظافة والانتعاش، والناس قبل دورة السباكة الحديثة في كد وجلد يغرفون من براميل متراصة قد جلب ماؤها على ظهور الدواب أو محمولاً بالقرب على ظهر السقا، إنني أشعر بنعمة البزبوز وقيمته أكثر إذا انقطع الماء مما يضطرنا لنعود إلى المرحلة البراميلية، وتعظم قيمة هذا الاختراع عندما يكون الماء شحيحاً في بلاد ليست نهرية ولا ينابيع فيها كما هو حال بلادنا التي حظيت إلى جانب نعمة السباكة الحديثة بنعمة التحلية، حتى صرنا نشرب من ماء البحر براحتنا ورضانا.

اللافت هو أن البزبوز في تضاد عكسي مع الفم واللسان، فكلما تم إغلاق الفم عن سقط الكلام كلما كان ذلك أسلم وأكثر أمناً، وعلى العكس من ذلك فكلما توقف البزبوز أو جف فذلك يعني العطش والاتساخ، وإذا انفتح على مصراعيه جاد بالحياة، لكن بعض البشر يتمتعون بأفواه مثل البزبوز الصدئ أو الخربان والذي لا يتوقف عن التنقيط والخرخرة، فترى هذا «الآدمي» مهذارا مكلاما مكثارا بنميم لا يكاد يبلع ريقه، فيما لسانه يبطش ويلطش ويهمز ويلمز، ولتجدنه أشد الناس حاجة لسباك يكرب حنكه ويضبط جلبة لسانه، ومعلوم أن اللسان قد يصبح مناط الحكمة والكلام الحسن لكنه يمكن أن يجر صاحبه إلى الهلاك، وتكمن المهارة الفردية في السيطرة على الخارج من هذه البوابة والتحكم في الكلام الذي يتسرب منها فيعرف متى يقول؟ وأين يقول؟ وما لا يجب أصلاً أن يقال.

كانت والدتي -يحفظها الله- تغضب منا نحن أولادها يوم أن كنا صغاراً نتحدث بما لا يعجبها، فكانت تستخدم مثلاً شعبياً للتعبير عن عدم رضاها، ولم أكن وأنا صغير أفهم معنى المثل إلا في كونه ردعاً وتأنيباً ونهياً.

كان مثلها الذي توالي تكراره علينا (يا ليت حلقي حلق نعامة)، وقد أدركت لما كبرت خاصية حلق النعامة الطويل، والذي يفلتر الكلمة وينظفها قبل أن تصل إلى اللسان وتنطلق منه.

اللهم اجعل كلامنا فيما يرضيك يا رب ولا تجعل أفواهنا تخرخر كالبزبوز.

IdreesAldrees@