لازلت أضمن لنفسي كإنسان استمرارية الدهشة، وهي التي تتناقص غالباً مع تقدم العمر واكتساب المعرفة. أما كيف أضمن ذلك وأجعل الدهشة قبض يدي فهو من خلال التجول في أرض الله المتسعة، التي تمنحني مزيداً من الجديد ثم المعرفة، ومزيداً لا ينقضي من الدهشة. أسافر كثيراً في هذه الأرض فلا هي تنتهي ولا أنا اكتفي.

قبل أكثر من ثلاثين عاماً كنت في فرانكفورت للمرة الثانية، فوجدت أنني يجب أن أغير المكان، فقررت أن أذهب شمالاً فغادرت مع صديقي سليمان البسام -يرحمه الله- (توفي قبل أقل من عام) إلى هلسنكي في فنلندا، وقابلتنا هذه العاصمة ببرود قارس وظلام دامس، لكننا وقد تكلفنا وعثاء السفر فكان لزاماً أن نبقى وأن نتكيف مع التغيرات الجوية التي لم نعهدها من قبل، لذا فقد ابتعنا ملابس تليق بهذا الصقيع، ثم بعد أيام انتقلنا من هلسنكي إلى مدينة تمبري المجاورة والصغيرة، التي تمتاز بجمالها وبطيبة أهلها وبتوفر لحم حيوان الرنة في مطاعمها، والرنة نوع من الوعول أو الغزلان طويلة القرون، في هلسنكي يلْفِتك ورق أشجارها الذي يكتسي بالألوان الزرقاء والصفراء والحمراء، وستجد أن شجرهم يخرج من ربقة الأخضر النمطي، هناك في فنلندا يرتفع معدل الكآبة عند الناس بسبب البرد، لذا يرتادون حمامات السونا، وتشتهر بلادهم بتصدير الخشب السميك من موفور الغابات، والناس هناك يأكلون كثيراً ويشربون حثيثاً بزعم طرد الكآبة التي تفرضها قتامة الطقس، لذا يعمدون لذلك لعلهم يريدون أن يسعدوا ويدفأوا، وستلحظ أن لديهم ارتفاعا في معدلات السمنة.

بعد هذه السنوات عدت مجدداً خلال الشهر الماضي إلى دول إسكندنافيا مع الأصدقاء عبدالمحسن الماضي وناصر الضويان وخالد أبانمي وعثمان العبدالكريم -في رحلة مجدولة نجريها كل عام- نصطفي فيها كل مرة بلاداً مختلفة، بدأنا رحلتنا هذا العام باستوكهولم ثم أوسلو ثم ختمناها بكوبنهاجن.

لعل الانطباع المبدئي لدى عامة الناس وخاصة العرب أن هذه البلاد منحلة جنسياً وسلوكياً قياساً لحجم الحريات الشخصية لكن الواقع الذي شاهدناه هناك مغاير تماماً لهذه الصورة المسبقة أو الـ«ستيريو تايب» الذي شكله الناس ربما من رأي عابر لأحد العابرين أو ممن يميلون لتضخيم الصورة وتشويق الحدث فيتم تكراره ثم ترسخه خاصة مع قلة السفر إلى تلك الجهات، بل على عكس السائد فإنني وجدت أن هذه المدن (ستكهولم وأوسلو وكوبنهاجن) أكثر انضباطاً ومحافظة من لندن كمثال أو باريس وهامبورج وأمستردام.

أمضينا قرابة النصف شهر نجوب هذه المدن، ونذهب إلى قصورها الملكية، وأبرز معالمها، وأشهر متاحفها، حتى وجدتنا -أنا ورفقاء الرحلة- ميالين أكثر إلى الإعجاب بمدينة أوسلو، التي تتسم بحيويتها ونشاطها أكثر من ستكهولم الباردة، التي تنام مبكراً جداً، كذلك فأوسلو حافلة بتنوع الأعراق وسهولة التعايش مع الآخر وتشاركها كوبنهاجن في كثير من أسباب الجذب السياحي.

تتميز هذه الدول بانخفاض عدد السكان مما دفع الحكومات هناك لتشجيع النسل مع منح بعض الامتيازات، تتشكل السويد من أكثر من عشرين ألف جزيرة، وطقسها كما هو الحال في النرويج والدانمارك بارد جداً إلا من قليل دفء في يونيو ويوليو وغزارة أمطار في أغسطس، في الشتاء يطول ليلهم فيشتاقون لقليل من ضوء النهار القصير، أما في الصيف فليلهم نهار إلا من قليل ظلام يطبق عليهم.

وتشتهر هذه الدول برحلات «الفايكنج» البحرية، وبصناعة السفن الشراعية الضخمة التي تمخر عباب البلطيق وبحر الشمال، كما تتميز بارتفاع دخل السكان فيها وبالتالي ارتفاع مستوى المعيشة وغلاء الأسعار، وتتواجد كثير من الجاليات المشرقية والأفريقية التي استوطنت تلك البلاد واكتسبت الجنسية، فيما يشكل الباكستانيون النسبة الأولى من المتوطنين المتجنسين في السويد، فيما يشكل السوريون واللبنانيون والهنود والصوماليون النسبة الأكبر في النرويج.

كوبنهاجن هي الأخرى مدينة ضاجة وتمتلئ مطاعمها ومقاهيها بالرواد الذين يكثرون في فترة الغداء لوفرة الشمس في شهر مايو وهم يلاحقونها كما نبتهج نحن عادة مع ندرة المطر الذي نلاحقه أينما انهمر ونقط، والإنسان دائماً يبحث عما يفقد فالنادر أغلى في كل شيء، في كوبنهاجن توجد حديقة شهيرة صارت مقصداً للسياح واسمها حديقة كريستيانيا، حيث يقطنها كثير من الهيبيز الذين يعيشون حياتهم خارج السمت البشري الصارم، ولهذا تحللت هذه الحديقة الكبيرة المطلة على إحدى البحيرات من بعض القوانين والتشريعات المتعارف عليها دولياً، حيث يباع في ممراتها الحشيش والماريجوانا، وكما قيل لي فإنه يمنع هناك التصوير عند حد معين، وقد تأكدت من ذلك عند أحد الأكشاك التي تبيع هذه الممنوعات فعرضت على أصحابها التصوير فرفضوا، اللافت في هذه المدن الإسكندنافية هو ارتفاع نسبة استخدام الدراجات الهوائية «السياكل» في التنقل من باب تخفيف درجة التلوث، ولهذه الدراجات مسارات خاصة في الشوارع وستلحظ حشودها الكثيرة كما ستلحظ انضباطاً صارماً لوقوف المشاة عند الإشارات الضوئية، كنا أنا وزملاء الرحلة نعبر الشارع إذا كان خالياً من السيارات، أما المقيمون فينتظرون إشارة المشاة الخضراء أن تأذن لهم، وفي هذا تمحك و«حنبلة» ما أنزل المرور بها من سلطان.

في أوسلو أيضاً حديقة كبيرة اسمها «فروقنا» لكنها بخلاف حديقة كريستيانيا في كوبنهاجن تتميز بالجمال والبهجة، وقد أخبرنا مرشدنا السياحي ونحن نتجول فيها بملخص لقصة بنائها فقال إن النرويج قرروا بعد مئة عام من الاستقلال عمل معرض كبير في مزرعة «فروقنا» ومساحتها ٨٥ هكتارا. وقد تقدّم رجل اسمه «قوستا فيقالاند» بطلب لمجلس المدينة للتصرف بتصميم المزرعة فنياً وعرض فلسفته.

وافق المجلس ولكن أبلغوه بأنهم لن يتمكنوا من دعم المشروع، فعمل تصميم للمزرعة وعرضه على الملك آنذاك وبعض التجار، فقاموا بتمويل المشروع.

وفي عام ١٩٢٧ بدأ فيقالاند المشروع وعمل عليه منفرداً، وكان عمره ٥٧ عاما واستمر يعمل فيها لمدة ١٧ عاما.

وهكذا فقد رسمت الحديقة تصوراً لفلسفة الحياة، وتجسيداً بالتماثيل لدورة عمر الإنسان، وقد تعمد هذا الفنان النحات توضيح ذلك بالحديد والبرونز والجرانيت، وهو ما أكسب هذه الحديقة شهرة وعناية خاصة من النرويجيين على النحو الذي جعلها مزاراً سياحياً هاماً.

تتميز هذه المدن الإسكندنافية بنظافتها الفارقة في الشوارع وفي حماماتها العامة وفي كل مرافقها ومزاراتها السياحية، ولا توجد من الرياض رحلات طيران مباشرة إلى هناك ربما لقلة المسافرين.

يثبت السفر دائماً إلى وجهات جديدة وغير مسبوقة أن السفر يمنحك مزيداً من الدهشة التي لا تنقضي.

‏ * كاتب سعودي