‏وعيت على ما حولي من أحداث سياسية واقتصادية وثقافية، ووجدت أن الإنسان السعودي لا يختار نموذجه وقدوته من الداخل بل يبحث عنه خارج الحدود.

لقد تمثل ذلك سياسياً في جمال عبدالناصر بل وعُرِفتْ هذه الموجة «الهوجة» بالناصرية، لكن جمال قد مضى مع علمنا بما قدم وأخّر من الخسائر والمكائد ثم مرت فترة تحسر وندب على غيابه، ثم تسنم الزعامة بعد حين صدام حسين ثم مضى صدام هو الآخر وقد أدركنا ما قدمه وأخّره من الرعونة والجهالة وقد أخذ الندب والندم عليه مأخذه فجعل الناس يبحثون عن أيقونة يرمزونها ويتمثلون بها فعلاً وقولاً فكان أردوغان هو البديل!!

ومعلوم أن اليسار العربي والموجة القومية هي التي رمزت عبدالناصر، ثم قام البعث بعده بإحلال صدام بديلاً، علماً أن الموجة الدينية والإسلام السياسي جعل لشيعتنا رموزاً من لبنان أو العراق أو طهران، فيما جُعل أردوغان رمزاً للأكثرية السنية، ولم يكن عبدالناصر أو صدام أو نصر الله أو الخميني صناع حضارة أو بناة دولة مستقرة، بل إنك سترى أنه قد تم اصطفاؤهم وترميزهم بفعل ضخ الآلة الإعلامية وتوظيف الأبواق المستأجرة أو المغرر بها ممن يملكون الحظوة والقبول لدى الدهماء ليتم إكساب هذه الرموز المصنوعة الثقة والشعبية رغم كونهم قد جروا بلادهم وبلاد العرب والمسلمين إلى الخوض في وحول النزاعات والمكائد والحروب وممارسة التلون السياسي عبر دغدغة مشاعر السذج والعامة، ولم يقتصر ترميز من ذكرت على السعوديين ولكنهم كذلك لدى السواد الأعظم من المواطنين العرب.

بل وأكثر من هذا فلو أنك تحدثت مع بعض السعوديين عن اقتصاد بلادهم لوجدت فيهم المتحسرين والمتمنين أن نكون مثل تركيا أو ماليزيا أو سنغافورة أو دبي، وقد لا يعنيه وزن بلاده في قائمة العشرين وحجمها في الاقتصادات العالمية الكبرى، ولا تجده يراعي الفروقات البينية في المساحة أو عدد السكان ولا شواهد النماء والرخاء في مقارناته، أما لو ناقشته في الفكر والثقافة لاستشهد شعرياً بمحمود درويش وأمل دنقل والسياب أو المقالح لكنه لا يكاد يرى وجهاً للتفوق أو المقارنة مع محمد الثبيتي والصيخان وجاسم الصحيح وعلي الدميني ومحمد العلي وأشجان هندي وكثير غيرهم، وستجد حاله كذلك مع النقد الأدبي والنقاد العرب لأنه لا يرى الغذامي والبازعي والسريحي وعالي القرشي، وإن تحدثت عن الرواية وجمالياتها ومبدعيها فسيسرد لك قائمة من الروايات والروائيين العرب من المشارقة والمغاربة ابتداء من محمد شكري وصنع الله إبراهيم وجبرا إبراهيم ومطيع دماج ويوسف زيدان إلى آخر القائمة التي تطول وليس بينهم روائي سعودي واحد سواء كان محمد حسن علوان أو عبده خال أو أميمة الخميس أو عبدالله بخيت أو غازي القصيبي، وستجدنا كذلك في الدراما لأنك لن تسمع اسم محمد العلي والهذيل إخوان وناصر القصبي والسدحان وغيرهم في مواجهة قائمة تطول من الممثلين المصريين والسوريين وغيرهم.

هكذا هو حالنا للأسف تجاه رموزنا الوطنية ومبدعينا، فنحن ننظر بإعلاء إلى من هم خارج دائرتنا، وفي انتقاص لا يُبرر لأنفسنا.

وإذا كنا كذلك مع أنفسنا -ونحن فعلاً كذلك- فلا لوم على غيرنا من الإخوة العرب إذا عاملونا بفوقية ممقوتة بسبب نظرتنا المتواضعة لأنفسنا، وأظن أن مرد ذلك كله يعود لفشلنا خلال العقود الماضية دبلوماسياً وإعلامياً في تصدير وترميز مبدعينا وقادتنا في السياسة والثقافة والفن، وذلك بسبب أننا لم نلتفت لأهمية هذا الجانب وانعكاساته النفسية على الناس الذين يبحثون دائماً عن القدوة والنموذج الذي يكون لهم مصدر فخر واحتذاء، وما لم يتم إقناع المواطن بمن هم متوافرون عنده في الداخل فإنه مضطر لاختيارهم ولو من الخارج، لقد غفلنا في عقوق واضح عن تنمية هذا الشعور الوطني الهام لدى أهلنا شباباً وشابات فما كان أمامهم اضطراراً إلا أن يسمعوا الآخر وهو يمجد قادته ورموزه السياسية والاجتماعية، وقد يكون ثمة استثناء محدود -عندنا- أسهم فيه الجانب الدعوي والمطوية والشريط الإسلامي (بما يثبت أن الإعلام هو الوسيط مهما اختلفت الوسيلة) حيث روجت تلك الأدوات لكثيرٍ من العلماء والدعاة والوعاظ السعوديين، ومع ارتفاع الهامش في الصفحات الرياضية فقد أمكن لنا الولوج إلى حمى التنافس الكروي مما جعل جمهورنا الرياضي فخورا برموزه الكروية من مثل ماجد عبدالله ويوسف الثنيان ومحمد نور ومحمد عبدالجواد وغيرهم.

على أنني في خضم ما مضى أشير إلى أن عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قد شهد تغيراً ملموساً في شحن وتغذية الحس الوطني ما رفع درجة الاعتداد والفخر لدى المواطنين بحجم ونوعية الحضور السعودي الذي زادت وتيرته في السنوات الأخيرة وعلى كافة الأصعدة فقد تعلق الناس بالتحول الوطني والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وبناء العلاقات السياسية وفق المصالح والمكتسبات العائدة للوطن كما حدث الاندماج الشعبي والتطلع إلى مخرجات رؤية 2030 واتسعت أحداقهم تفاؤلاً وتطلعاً للمستقبل بل صار واضحاً حجم الغيرة الوطنية حتى صار للحضور السعودي في الإعلام الجديد وزنه وتأثيره الواضح دفاعاً وردعاً لكل من يتطاول على بلادنا ورموزها، كما أصبح الأمير محمد بن سلمان أيقونة سعودية عربية ودولية فهو يجسد روح الشباب وأمثولة التغيير ورمزاً للإرادة والطموح، وصار السعودي فخوراً أن يكون محمد بن سلمان رمزاً يتصدر قوائم المؤثرين عالمياً، ومن هنا أستطيع أن أقول أننا بدأنا نتغير نسبياً في خلق قدواتنا والاعتداد بنجومنا، لكننا لم نصل بعد إلى الدرجة التي نثق فيها بأننا ومنذ زمن طويل نملك صفاً طويلاً وطويلاً من القامات والمبدعين في مجالات السياسة والأدب والثقافة والرياضة الذين يفوقون نظراءهم في العالم العربي، وأننا نملك الطاقات الأكاديمية المميزة في الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات ومحاضن المواهب والمخترعين في الداخل أو من ينتشر منهم في أصقاع الدنيا.

وفي السياسة فلا أحد في العصر الحديث عربياً وإسلامياً يمكن أن يماثل أو يتشبه بالموحد والقائد الفذ الملك عبدالعزيز، الذي قصرنا كثيراً جداً دون إبراز دوره ووزنه وقيمته العربية والدولية، وقد سار أبناؤه من بعده تباعاً في بناء هذه الدولة المباركة التي هي الآن قائدة للعالم العربي والإسلامي وحامية لها من النزعات السياسية الحزبية التي يتم تصميمها وتلبيس أدوارها على واجهات فردية يتم ترميزها وتزوير منجزاتها وتسويقها لدى البسطاء ولو بحثت -لاحقاً- عن إنجازاتهم لوجدتها قبض ريح وخسائر لا أول لها ولا آخر.

بقي لي أن اقول كن سعودياً وارفع رأسك وافخر بقادة بلادك وبعلمائها ومفكريها ومبدعيها في كل المجالات، ولا تنظر حولك فلديك ما ليس عندهم، وعندك فوق ما عندهم وخير من كل أولئك وأبقى.

* كاتب سعودي

IdreesAldrees@