في كثير من الجامعات الكبرى والعالمية يدرس طلاب الجامعة والماجستير بل والمدارس الثانوية أيضاً علم التفاوض الذي تكمن أهميته في العنصر الأول وهو ضرورته وفِي العنصر الثاني المتمثل في حتميته لأن كافة جوانب حياتنا عبارة عن سلسلة من التفاوضات سواءً على المستوى الشخصي أو المستوى العملي الداخلي أو الدولي، فالأزمات الحادة التي نواجهها على الصعيد الاجتماعي والسياسي والإداري، تعود أسبابها إلى افتقار القدرة على إدارة الحوار المثمر وإلى ثقافة التناحر والتخاصم وجامعة هارفارد مثلا لديها مشروع يهدف إلى تنمية مهارات التفاوض وذلك لأن التفاوض يعتبر من دعائم العمل بروح الفريق الواحد الذي يعد أساساً لأي عمل تنموي في كل البلاد.

التفاوض لم يعد فناً بل علم مكتمل الأركان ذو عناصر محددة ومعلومة، وتظهر أهمية وضرورة علم التفاوض من العلاقة التفاوضية بين الأطراف ومن حتميته كونه المنفذ المستخدم لمعالجة القضية أو المشكلة للوصول لحل القضية أو المشكلة المتنازع عليها، وعلم التفاوض من أهم العلوم التي يهتم به المتخصصون في علم النفس والاجتماع والإدارة والعلوم السياسية واللغويات وغيرها من علوم نظرية حيث تكمن أهمية علم التفاوض لتعلقه بقضايا جوهرية مهمة لبناء المجتمع على نحو أفضل وتكوين ثقافة التفاهم الفعّال بين الناس باختلاف ثقافاتهم وعقائدهم ومشاربهم ويمكننا هذا العلم من تجنب الصراعات والخلافات والجدل الذي لا طائل منه ولا فائدة فيه.

ومثال التفاوض على برتقالة على بساطته يوضح كثيراً من مفاهيم هذا العلم حيث وضع أحد الأساتذة برتقالة واحدة أمام طالبين وأعطى كل طالب ورقة يوضح فيها أهمية الحصول على البرتقالة والهدف من ذلك وحدد للطالبين وقتاً محدداً للتفاوض ومن يحقق الهدف ويحصل على مبتغاه يعتبر هو الناجح في هذا الاختيار، وفعلا بدأ الطالبان التفاوض الجاد طوال المدة المحددة للفوز بالبرتقالة بهدف تنفيذ التعليمات الواردة في الورقة المسلمة لكل منهما، غير أن كلا الطالبين لم يفلح في إقناع الآخر ولم ينجح في الحصول على البرتقالة ومن ثم تنفيذ المطلوب رغم كل ما بذله الطرفان من فن وجهد في التفاوض، فقال الأستاذ لهما لم ينجح منكما أحد في الحصول على البرتقالة بالرغم من أن التعليمات التي سلمت للطالب الأول كانت الحصول على البرتقالة لعمل عصير من لبها، والتعليمات للطالب الثاني الحصول على البرتقالة للحصول على قشرها لاستخراج عطر من القشور. فقد كان بالإمكان الوصول لاتفاق بينهما لولا ثقافة التناحر والحوار غير المثمر. فالواجب كان يتطلب منهما التركيز على الهدف وذلك بتحديد وتشخيص القضية التفاوضية بعد تهيئة المناخ للوصول إلى اتفاق نهائي مستخدمين منهج استراتيجية المصلحة المشتركة، وهي أحد مناهج وإستراتيجيات التفاوض.

* مستشار قانوني

osamayamani@

yamani.osama@gmail.com