منذ بدأ الرئيس دونالد ترمب فترته وهو يسير في خطين متناقضين تماما، خط مكافحة الإرهاب ممثلا في مواجهة التنظيمات الإرهابية مثل داعش ودحرها وكذلك الوقوف ضد الاتفاق النووي مع إيران ثم الخروج منه وترتيب إعادة فرض العقوبات عليها ما يمكن أن يردع إيران عن تبني التنظيمات الإرهابية التي تتبناها وتثير بها الفوضى في منطقتنا، والخط الآخر هو نسف ملف كبير ومهم كخطوة من شأنها إثارة التوتر إلى أقصى مداه في منطقة الشرق الأوسط والمحيط العربي، بتنفيذ قراره نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى مدينة القدس، وهو قرار لم تتخذه أي إدارة أمريكية سابقة، وتم اتخاذه رغم احتجاج الدول العربية المتضامنة بصدق وإخلاص مع القضية الفلسطينية، وما زالت الذاكرة القريبة تستدعي مؤتمر القمة العربية الأخير في المملكة الذي أطلق عليه الملك سلمان قمة القدس.

فعلها الرئيس ترمب في يوم حزين سقط فيه عشرات القتلى وآلاف الجرحى المدنيين بالرصاص الإسرائيلي، فعلتها أمريكا ولم تفعلها بقية الدول الغربية حتى التي خرج منها وعد بلفور المشؤوم، والصورة تبدو قاتمة لأن المظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية لن تتوقف بينما أمريكا تقدم المسوغات والتبريرات مجانا لإسرائيل، وتقف حتى ضد طلب في الأمم المتحدة لإجراء تحقيق مستقل في المجزرة، وسوف تقف ضد أي تصويت قانوني وإنساني في مجلس الأمن ضد ما حدث، والعجيب أنها بعد كل ما حدث تدعي أنها تحرص على استمرار عملية السلام، نعم يجب أن نعترف بأن أطرافا في السياسة الفلسطينية ساهمت في تعقيد القضية والإضرار بالشعب الفلسطيني لكن موضوع القدس هو موضوع كل الفلسطينيين والعرب والمسلمين والضمير الإنساني، وحين يأتي هذا الاستفزاز قبل دخول شهر رمضان فإنه استفزاز للوجدان والمشاعر وربما يتسبب في نسف بقايا التعقل والاتزان لتزهق المزيد من الأرواح بالرصاص الإسرائيلي وبرعاية أمريكية جائرة. وهنا على كل الدول العربية والإسلامية تحييد الخلافات جانبا والضغط بكل الوسائل على المجتمع الدولي والمنظمات الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشعب الفلسطيني وقضيته، أما أمريكا فسيبقى هذا الحدث الأليم وصمة عار لا تمحى من تأريخها السياسي.