«عكاظ» (جدة)
أفادت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز «الإمارات للسياسات»، بأن المشاركين أوضحوا خلال الجلسات الأربع للحلقة أن المكابرة القطرية تمخضت عن إنهاك قطر وانحسار قوتها الناعمة، وتراجع الدور القطري على مستوى الإقليم، وفقدانها القبول الخارجي بدورها، لافتين إلى أن قطر لم تعد مقبولة كلاعب ووسيط كما كانت قبل المقاطعة.

وأشاروا إلى أن المقاطعة العربية لقطر تسبّبتْ في تكبّدها خسائر مالية واقتصادية كبيرة، إذ تشير تقارير دولية عدة إلى اضطرار قطر لتسييل جزء من أصولها الاستثمارية الأجنبية، والسحب من احتياطيها المالي لتجاوز أزمة السيولة في البنوك القطرية، وأضافوا أن المقاطعة جعلت قطر طاردة للاستثمارات الأجنبية المباشرة وانخفضت ثقة المستثمرين في اقتصادها، كما تأثرت قطاعات اقتصادية مختلفة في قطر بالمقاطعة، مثل قطاع السياحة الذي كان في معظمه يعتمد على دول الخليج، وقطاع النقل الجوي، وقطاع الإنشاءات الذي كان يعتمد كلياً على جلب مواد البناء والمواد الأولية من السعودية والإمارات.

وأوضحوا أن الاقتصاد القطري كان ينمو بقوة، وكان من أعلى المعدلات في منطقة الخليج والعالم، إلا أن المقاطعة جعلت النمو الاقتصادي يتراجع من 6% عام 2016 إلى 2.5% عام 2017، بالرغم من ازدياد أسعار الغاز والنفط في عام 2017 مقارنة بعام 2016.

ولفت المشاركون إلى أنه يجب عدم إغفال الكلفة الاجتماعية للمقاطعة على قطر، والمتمثلة في شعور القطريين بالانعزال والابتعاد عن باقي دول الخليج، وأشاروا إلى أنه لا جدال في أن قطر دولة ثرية؛ فلديها أصول أجنبية ثابتة، واحتياطي مالي كبير، فضلاً عن وارداتها من الغاز والنفط. ويمكن لقطر بهذه الأدوات أن تتغلب على آثار المقاطعة في الأجل القصير، لكن في الأجل البعيد لا يمكنها تحمل تكاليف وأعباء المقاطعة.

وذكروا أن الأزمة وفي ظل «تنظيم الحمدين» أسهمت طوال عام في انكشاف الإعلام القطري وفَقْده مصداقيته، وفضح سياساته القائمة على التضليل والتحريض، كما كشفت الأزمة المنصات الإعلامية التي تدعمها الدوحة، موضحين أن قطر طوّرت بعد الأزمة إستراتيجيتها الإعلامية لمهاجمة الدول الأربع، وإشاحة أنظار الرأي العام العربي والعالمي عن الأسباب الحقيقية للأزمة.

وبين المشاركون أن خروج أفراد من العائلة الحاكمة في قطر ضد سياسات النظام القائم أسهم في مضاعفة الكُلفة السياسية للمقاطعة على قطر، وأضافوا أن قطر أخفقت طوال عمر الأزمة في إنهاء المقاطعة أو في تدويل الأزمة أو فك عزلتها.

وخلص المشاركون في الوقت نفسه إلى أن دول الرباعي العربي لم تنجح أيضا في استثمار إخفاقات قطر خلال الأزمة، وتوسيع خسائرها السياسية والمعنوية، مشيرين إلى أن دول المقاطعة وقَعَت في أخطاء في إدارة الأزمة من خلال التقصير في فتح ملفات قطر أمام المجتمع الدولي، والتأخُّر في نشر ما يُدين الدوحة من وثائق وأدلة، وعدم كفاءة التواصل مع الغرب لإقناعه بوجهة نظر الرباعي العربي المرتكزة على الحقائق، وعدم فك الالتباس لدى الغرب من أن الدول الأربع تطالب بغلق قناة «الجزيرة» في حين أنها كانت تطالب بتعديل سياساتها التحريرية.

وأجمع المشاركون على أنه بالرغم من أن الأثر المرجو من المقاطعة طويل الأمد، يظل هو الطريق الوحيد لدفع قطر إلى تغيير موقفها والاستجابة لمطالب الرباعي العربي.

واقترحوا البحث في مشروع إقامة كونفدرالية خليجية بين السعودية والإمارات والبحرين، يمكن أن تنضم لها لاحقاً الكويت وعُمان.

وحول السيناريوهات المتوقعة للأزمة مع قطر، أفاد المشاركون بأن هناك خمسة سيناريوهات متوقعة هي: الأول، استمرار الوضع الراهن (Status Que)، وهو الوضع الذي يخلق كُلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية لقطر، ولا تشعر معه دول الرباعي العربي بأنها تخسر شيئاً كثيراً، وهذا السيناريو هو الراجح في المدى القصير على الأقل. الثاني، توسيع المقاطعة الاقتصادية؛ من خلال تحفيز عملية هروب رؤوس الأموال من قطر، أو منع الشركات من التعامل مع قطر من خلال فرض عقوبات ثانوية على الشركات المخالفة، وهذا الخيار يخلق مزيداً من الضغط المالي والاقتصادي على قطر. ويبقى هذا السيناريو محتملاً. الثالث، تعزيز قطر تحالفها مع إيران وتركيا والقوى المناهضة مثل الحوثيين؛ لزيادة التهديدات ضد دول المقاطعة، وبخاصة السعودية، والإضرار بأمنها، وبما ينقل الأزمة إلى مستوى جديد، وهذا السيناريو مستبعد في الوقت الحالي لأنه يُرتب كُلفاً إضافية على قطر، وخاصة في ظل التطورات الأخيرة المرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني.

الرابع، التوصل إلى مقايضة بين الدول الأربع وقطر؛ تقوم على تقليص هذه الدول مطالبها مقابل قطع قطر علاقاتها مع «الإخوان المسلمين» والفاعلين ما دون الدولة، بما في ذلك قطع الدعم المالي أو السياسي، ووقف ممارسات توفير الملاذ الآمن للحركة، ووقف الدعم المالي والمعنوي للمعارضات الخليجية في الخارج والتلاعب في النسيج الاجتماعي الخليجي. وستقوم الدول الأربع بالمقابل برفع العقوبات، والعودة إلى علاقات ما قبل الأزمة تقريباً، التي لم تكن وفاقية تماماً بالضرورة، ويتطلب تحقُّق هذا السيناريو تجدد الوساطة الأمريكية، لكن هذه المرة بشكل قوي من أجل دفع الطرفين إلى إنهاء الأزمة من خلال التوصل إلى هذه المقايضة.

الخامس، قبول قطر بمطالب الدول الأربع عقب زيادة العقوبات أو فرض مزيد من العزلة؛ ويتطلب هذا السيناريو استمرار الموقف الأمريكي المتذبذب في الأزمة، مع قيام وزارة الدفاع والخارجية الأمريكيّتين بتعديل مواقفهما ليتوافق مع موقف الدول الأربع، وهذا السيناريو يمكن أن يتحقق في المدى المتوسط أو البعيد، بعد أن تتوثق قطر من إجراءاتها لمجابهة المقاطعة والعزلة غير مستدامة.

وحول الآفاق المستقبلية للأزمة، أوضح المشاركون أنه لا يظهر في الوقت الراهن أن أياًّ من الأطراف المعنية بالأزمة يشعر بضغط كبير يدفعه إلى إنهاء الأزمة بسرعة أو في الأجَل القريب، بل إن دول المقاطَعة تشعر بمكاسب عزل قطر وكفّ سياساتها المؤذية عن دول الخليج.

وأشاروا إلى أنه في الوقت الذي تحتفظ فيه الولايات المتحدة بما يكفي من النفوذ داخل مجلس التعاون الخليجي للضغط على أي من الجانبين للتنازل، إلا أنها مترددة في القيام بذلك، نظراً للفوائد الإستراتيجية والاقتصادية الواسعة التي تجنيها من كل شراكة على حدة، وأضافوا أنه بينما أعلنت الولايات المتحدة أن الأزمة تشكل تحدياً لسياستها في احتواء إيران ومكافحة الإرهاب، فإن ترددها في الزج بنفسها بشكل أعمق في الأزمة حتى الآن يشير إلى أن هذه التحديات ليست ملحة بشكل خاص.

وفي سياق ذلك، رجح المشاركون أن المتغيرات الإقليمية الأخيرة قد تدفع الولايات المتحدة إلى تجديد جهود الوساطة في الأشهر القادمة لإنهاء الأزمة، مع إعطاء كل طرف مساحة لتعديل موقفه، ورأوا أنه عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران قد تجد واشنطن أن استمرار الأزمة في الخليج قد يُعوق جهودها لمواجهة إيران.

«بعد نحو عام على أزمة قطر، تكشفت الكثير من الأدلة التي تبرهن على نحو قاطع أن سياسات قطر لا تعمل لصالح مجلس التعاون لدول الخليج العربي، كما تأكد أن الدوحة أقامتْ دورَها الإقليمي وتوجهات سياستها الخارجية على كلّ ما يُعاكس التوجهات العامة للمجلس ومصالح دوله»، هذا أحد الاستنتاجات التي خلصت إليها حلقة نقاشية نظمها مركز الإمارات للسياسات أمس الأول حول آثار الأزمة في قطر والتداعيات السياسية والاقتصادية لمقاطعتها من جانب الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، والتي شارك فيها نخبة من الباحثين والسياسيين والإعلاميين، حيث شارك في الحلقة كل من الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي، ونبيل الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، والدكتور محمد بن هويدن، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات، والدكتور عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، وسالم اليامي، الباحث في العلاقات الدولية، وعبدالله الجنيد، المحلل السياسي البحريني، وعبدالعزيز الخميس، الباحث في شؤون السياسة العربية وشؤون الشرق الأوسط، والمهندس عمر باحليوة، الأمين العام للجنة السعودية للتجارة الدولية، والدكتور حمد التويجري، أستاذ مشارك في كلية إدارة الأعمال بالرياض، والإعلامي السعودي عبدالرحمن الراشد.