نعلم أن محاربة التطرف واجبة على الجميع وتتوجب على المؤثرين في قيادة الرأي العام بشكل خاص، ولكننا نجد أن بعض من ينادون بمحاربته يشوب التطرف بعض طباعهم، والأمر يأتي كتبعة لصراع الأفكار التي يمكن اعتبارها ظاهرة صحية كونها ناشئة من أصل تكوينها، حيث تأخذ شكلا بنيويا يسير في عدة اتجاهات قلَّما تلتقي في نقاط مشتركة، تدعي الاعتدال في الظاهر، وفي مضمونها الرفض وعدم القابلية، فالمتطرف يرى أن له الحق والكمال بمقتضى ما يؤمن به من الأفكار والمبادئ بينما يرى أن ذلك ينتفي عن الآخر، بالطريقة التي تسير وفق ضدية الاختلاف وهي في الوقت نفسه تشكل خلفية تبنى عليها الأفكار رغم اختلافها.

التركيبة التي يصاغ منها خطاب البعض ويرون أنها تحقق لهم قدرا من القوة والنفوذ والتحكم بتنظيم المجتمع من خلال وضع القواعد وتقييد السلوك، حينها ندرك أن التعصب للعاطفة الدينية يرتبط ارتباطا وثيقا بالتطرف، حيث إن فينا من ينبذ الحركية الدينية كشكل من التطرف، ولكنه في الأصل يفكر بطريقتهم، وفي هذه الحالة لا يستطيع الاعتراف وربما لا يدرك بأنه ساهم وما زال يقوم على إنتاج فكر قائم على رفضه، حينها يكون من الصادم أن نكتشف أن عدو اليوم أتى من صناعة الأمس.

لا يمكن أن يتربى مجتمع بأسره على أفكار تعصبية متطرفة لا تقبل الآخر، فالتعددية والحرية الفكرية هي أصل القوة التي صنعت المجتمعات المدنية الحديثة، لكن المتطرفين يحاربون هذا النموذج لسبب بسيط، لأنهم لا يجدون مكانا لأنفسهم في مجتمع متعدد متمكن، يمتلك الإرادة والقدرة على إدارة نفسه وفهم مصالحه.