هل يمكن للاجتهاد الفقهي الذي غالبا ما يمثل لحظة اجتهادية ذات سياق معين أن يدير الحياة في الدولة المدنية الحديثة؟ في الواقع يمكن أن يكون هذا مستحيلا للغاية، ومحاولات فرضه سابقا هي التي تقف خلف كل الأخطاء والتوترات المجتمعية السابقة. الحل في القانون والتنظيم فقط، وثمة من يتهيأ الآن للرد على هذه العبارة أنها مجافاة للشريعة وتخلٍ عنها، ولكن النظام والقانون لا يأتيان إلا من خلال المقومات الثقافية والاجتماعية التي على رأسها الدين.

الدولة تمنع وتسمح ولكنها لا تحرم ولا تحلل؛ وإذا كان ثمة رأي فقهي مثلا يحرم الموسيقى فالاقتناع به أو رفضه مسألة شخصية تعود للأفراد، لكن الدولة ليس من شأنها ولا من مهامها أن تتبع ذلك الرأي أو ترفضه، لأن علاقتها بالأفراد تقوم على القوانين والأنظمة التي تراعي تنوعهم وخياراتهم.

إشارات المرور مثلا لا تفرق بين الملتزم وغير الملتزم وعلى الجميع الالتزام بها بغض النظر عن قناعاتهم، القيمة الكبرى في إشارات المرور قيمة دينية عليا تتمثل في التنظيم وحفظ الأرواح.

ولنتخيل ماذا سيكون الأمر عليه لو أن الاجتهادات الفقهية التي ظلت تصدر يوميا طيلة السنوات الماضية تحولت إلى قوانين وأصبحت تمتلك سلطة لإلزام الناس بها! اجتهادات في اللباس والأكل والعلاقات والسفر وكل تفاصيل الحياة (هذا التفصيل أحد إشكالات المدارس الفقهية التقليدية) لو امتلكت سلطة لانتهى الأمر بها إلى خلق حروب اجتماعية قاهرة ولتراجعت فكرة الدولة تماما.

الفقه لم يكن دائما ذا خطاب مدني ينطلق فيه من روح ومقاصدية التنزيل الحكيم الذي هو للناس جميعا، وأدى ارتهان الاجتهادات الحديثة زمنا للفقه القديم الموروث إلى جعل الاجتهاد يدور خارج الواقع وليس جزءا منه؛ منشغل بالتحريم الذي بات سلاحه الوحيد في مواجهة كل جديد.

النظام الخاص بالسينما سواء في إنتاج الأفلام أو في إقامة دور العرض له تأثير فعلي في حياة الناس اليوم أكثر من الاجتهادات والآراء التي صدرت في هذا الشأن، والتي في الغالب تجنح للذم والرفض وقبول هذه الآراء أو رفضها هو شأن خاص بالأفراد وليس من حق أحد أن ينكر على المقتنعين بهذه الآراء أو يعرض بحقهم في ذلك، والدولة أيضا هي التي تدير هذا الجانب.

التنوع قيمة عليا ومن عوامل ازدهار ونمو الدولة المدنية الحديثة، ولذا وكما تنمي الدولة الاقتصاد والموارد عليها أيضا العمل على تنمية التنوع ليكون إيقاعا يوميا واضحا في الحياة العامة، التنوع يجعل الأفراد سعداء بحرياتهم وحقوقهم ويجعلهم أكثر حرصا على حقوق الآخرين، كذلك لأن هذا يحميهم هم كذلك، والتنوع لا يمكن أن يقع ناهيك عن أن يزدهر إلا في ظل النظام والقانون وبالتأكيد ليس في ظل الاجتهادات والآراء المختلفة.

مقابل حالة العشوائية والانفلات التي كانت سائدة في المشهد الفكري ولما له من تأثير وسلطة في الوجدان العام يصبح تدخل الدولة ضروريا لترشيد هذا الخطاب وبخاصة الجماهيري المنبري منه وما حدث منذ أسبوع حين اتحد كثير من خطباء الجمع على موضوع واحد في قضية واحدة وبرأي فقهي واحد فإنهم بذلك يقدمون نموذجا على أهمية تدخل النظام في إعادة توجيه تلك المنابر لتتخلص من الأحادية والتنظيم الموجه ذي الأهداف المخطط لها، وبعيدا عن كون هذا يمثل تشويها حقيقيا لوظيفة هذا المنبر، فهو يشير إلى خطورة القوى التي تتحرك ضد التنوع الذي هو أبرز وأعظم صفات الدولة المدنية الحديثة.

* كاتب سعودي