نعيم تميم الحكيم (جدة)
900 مليون ريال، قيمة ديون 14 ناديا تمثل الأندية المحترفة المعلن عنها بعد عقد الجمعيات العمومية نهاية العام الماضي، منها ربع مليار ريال لـ220 قضية خارجية مرفوعة ضد الأندية في الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، فيما وصلت مطالبات اللاعبين محليا ضد أنديتهم في غرفة فض المنازعات إلى 300 مليون ريال، وفق حديث عضو مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم ياسر المسحل لبرنامج «الخيمة» على القناة السعودية الرياضية.

هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر حول الأوضاع المالية التي تعيشها الأندية السعودية بسبب الأخطاء الإدارية، والعبث المالي، وتسلل السماسرة، وسوء التصرف، كل هذه الأمور دفعت الهيئة العامة للرياضة لفتح تحقيق حيال ما يحدث في الأندية.

وسارعت الهيئة بقيادة تركي آل الشيخ إلى إقالة بعض إدارات الأندية التي ثبت تورطها بالديون، وفتح تحقيق فيها بالتعاون مع هيئة التحقيق والادعاء العام، على غرار ما حدث في الاتحاد، والرائد، والنصر، وأخيرا الهلال الذي وصلت ديونه إلى 68 مليون ريال، فيما كلفت إدارات أندية مؤقتة لتسيير أعمالها، مع الوقوف معها، ودعمها ماليا ومعنويا بتسديد بعض القضايا العاجلة التي تشكل خطرا كبيرا عليها. ولم تكتفِ الهيئة بهذه الخطوة، بل قدمت للأندية دعما يتمثل بجلب لاعبين محترفين أجانب، ومدربين.

بيد أن الهيئة كانت أكثر حزما تجاه الإدارات التي ثبت تورطها في إغراق النادي بالقضايا والديون داخليا وخارجيا، وهو ما ظهر جليا في تغريدات رئيس الهيئة في وقت سابق؛ إذ ذكر أنه قبل أن يقرر أحد الابتعاد، هناك التزمات مالية سيحاسب عليها. وأضاف في تغريدة أخرى: «توجد مادة واضحة في نظام الأندية بالنسبة للديون تؤكد على مسؤولية مجلس الإدارة مسؤولية تضامنية عن الديون وإلزامها بسدادها»، مختصرا حديثه باللهجة الشعبية الدارجة «اللي فات ما مات».

وتأتي خطوات الهيئة خصوصا أن 60 ناديا سيكون لديها لاعبون محترفون بداية من الموسم الجديد، ما يتطلب مزيدا من التنظيم والضبط، ما جعل الهيئة تعمل على دعم الأندية بشكل مباشر.

وكان المسحل قد طمأن الأندية السعودية بعدم تعرض أي منها لعقوبة الهبوط، مع متابعة دقيقة لكل قضاياها في الفيفا لتجنيبها مسألة خسم النقاط والغرامات المالية قدر الإمكان.

ونصح الأندية بضرورة الاستعانة بمحامٍ مختص في القضايا الدولية خلال التعاقد مع اللاعبين الأجانب؛ من أجل تفادي حدوث أي مشكلات، الأمر الذي يُعرضها لعقوبات مالية أو خسم نقاط.

في وقت أرجع مستشار رئيس هيئة الرياضة قصي الفواز سبب معاناة الأندية من الديون لسوء الإدارة والإسراف، مشيرا إلى أن الهيئة قامت بعدد من الإجراءات للسيطرة على الديون، وقدمت دعماً مالياً للأندية، بجانب إطلاق مبادرة «ادعم ناديك».

وكشف النقاب عن ديون الأندية؛ إذ «يتصدرها الاتحاد بـ317 مليونا، ثم النصر بـ240 مليونا، فيما ديون الأهلي 114 مليون وديون الهلال 100 مليون ريال».

وأفاد أن «هيئة الرياضة دعمت نادي الهلال بما لا يقل عن 55 مليون ريال، والأهلي بمبلغ 95 مليوناً، والنصر بمبلغ 44 مليوناً، والاتحاد والشباب بأكثر من 35 مليوناً لكل واحد منهما، والاتفاق والرائد بـ5 ملايين».

«عكاظ» فتحت ملف ديون الأندية؛ إذ طرحت المشكلة على رؤساء الأندية والقانونيين، حيال أهمية «تصفيرها»، وفوائد محاسبة الإدارات التي كان لها دور في تضخمها، وانعكاس ذلك على الخصخصة.

رؤساء الأندية: تسديد ومحاسبة

يتفق رؤساء الأندية على أن تصفية الكيانات الرياضية من الديون، ومحاسبة المتسببين فيها، سيهيئ بيئة خصبة للخصخصة، وتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين على دخول الأندية، مشددين على أن وجود ديون لا يعني وجود فساد، فبعضها راجع لقلة خبرة أو استهتار.

ويؤكد رئيس النادي الأهلي السابق أحمد المرزوقي أن خطوة الهيئة بتصفير الديون، ومحاسبة المتسببين فيها، خطوة نحو الخصخصة؛ لأنها تساعد على خلق بيئة نظيفة على المستوى المالي، وتزرع الثقة لدى المستثمرين، وتشجع على دخولهم لهذا المجال.

وأضاف: «من المستحيل أن يقدم أي رجل أعمال على الاستثمار، في ظل الأزمات المالية التي تمر بها الأندية كبيرها وصغيرها». وأضاف: «لا يمكن أن نجزم بأنها فساد، فقد تكون مجرد اجتهادات غير موفقة من رؤساء الأندية والقائمين عليها؛ لأن هدف الجميع تحقيق البطولات والمنجزات وإسعاد الجماهير، حتى تخلد أسماؤهم».

ورأى أن «خطوة الهيئة بتصفير الديون والمحاسبة هي خطوات تصحيحية، لخلق البيئة الصحية قبل التفكير في تخصيص الأندية بشكل مباشر وعلني».

واسترجع المرزوقي إجابة سابقة لسؤال وجه له عندما كان رئيسا للنادي الأهلي حول موعد الخصخصة؛ إذ أجاب بأنه لا بد من وضع أرضية، وتصحيح وضع الإدارات ماليا وإداريا، وجعلها بيئة جاذبة للمستثمر يحقق من خلالها الأرباح.

وشدد على أن الرياضة أصبحت صناعة، ومقوماتها لم تتوافر بعد في أنديتنا، لذلك لا بد من وضع الأسس الصحيحة لبناء قاعدة استثمارية، واصفا خطوة الهيئة بالجميلة، «لكنها ستأخذ وقتا ليس بالقصير، يراوح بين عام وعامين، حتى يستعيد المستثمر الثقة في الأندية، ويقدم عليها بعد الإعلان عن الخصخصة، بتصفير الديون ومحاسبة المتسببين فيها، ومن ثم تهيئة الأرضية لذلك».

ويرفض الرئيس السابق لنادي القادسية معدي الهاجري الجزم بأن ما حصل في الأندية من تراكمات الديون «فساد»، مشددا على وجوب التفريق بين الأخطاء الجسيمة، كوجود سمسرة، أو عقود مبالغ فيها تتحملها الإدارة، والديون الروتينية التي يجب ألا يحاسب عليها مثل الرواتب المتأخرة، ومقدمات العقود، وإيجارات الفنادق ومكاتب السيارات.

ويرى الهاجري أن وضع الأندية الحالي غير جاذب للمستثمر، خصوصا أن المصروفات أكبر من مدخولات الأندية التي تعتمد في الغالب على دعم أعضاء الشرف، وبعض عقود الرعاية.

ويؤكد الهاجري استحالة دخول المستثمرين للأندية في الوضع الحالي، إلا إذا كانت المداخيل أعلى من المصروفات، وذلك لن يأتي إلا بتصفية الديون أولا، وتقنين رواتب ومقدمات اللاعبين، وخلق مداخيل إضافية.

ولا يذهب رئيس نادي الوحدة حاتم خيمي عن الرأي القائل إن المحاسبة بداية الطريق نحو الخصخصة المنشودة، مشيدا بتوجه الهيئة نحو عدم إهمال المتسببين بديون الأندية ومحاسبتهم على القصور فيها، ومن ثم الوقوف مع الأندية ودعمها، حتى تستعيد عافيتها وتصبح بيئة جاذبة للداعمين والمستثمرين ورجال الأعمال والشرفيين.

الخطوة القانونية

ووصف عضو اللجنة القانونية في الاتحاد الدولي لكرة القدم السابق الدكتور ماجد قاروب إجراء الهيئة بمحاسبة المتسببين في ديون الأندية بأنها خطوة قانونية وصحيحة.

واستدل بمشاركته بشكل شخصي في لجنة تقصي الحقائق التي شكلت منذ سنوات طويلة في ما يخص الشكاوى ضد نادي الاتحاد، موضحا أن هيئة الرياضة هي المعنية بهذا الوضع.

واستدرك قاروب: «لكن الجديد هو الخطوة الإضافية التي اتخذتها الهيئة بإشراك أجهزة الدولة في التحقيق، بالاستعانة بهيئة الرقابة والتحقيق المعنية بالتحقق والتحقيق في كل ما يتعلق بالمؤسسات الحكومية، وصحة وسلامة الإجراءات المالية والإدارية في ادارات عدد من الأندية».

وعن سبب تأخر الخطوة، أشار قاروب إلى وجود ترسبات تاريخية وقفت عائقا أمامها، إذ كانت إدارات الأندية أقوى من المؤسسة الرياضية إعلاما ونفوذا؛ لأنها كانت هي المصدر المالي الحقيقي للرياضة، في وقت لا تؤمّن المعونة الرياضية والمكافآت المقدمة من المؤسسة الرياضية إلا ما نسبته 1%-%5 من المصروف الحقيقي للأندية، حسب مكانتها وجماهيريتها.

وأضاف: «الأمر بدأ بالاختلاف بعد تعديل النظام الأساسي لاتحاد القدم، وإنشاء هيئة دوري المحترفين، ودخول عقود رعاية التي وفرت مصادر مالية قوية للأندية مباشرة، بصرف النظر عن شخوص أعضاء مجالس الإدارة، أو رؤسائها، أوشرفييها».

وزاد: «وبالتالي خفّت وانكسرت سطوة وقوة الأندية، مقارنة بقوة وإمكانات هيئة الرياضة، ولذلك بدأ شيء من التحقق والتحقيق في المخالفات المالية التي تحدث في الأندية».

ولفت قاروب إلى أن موازين القوة تغيرت مع تولي تركي آل الشيخ الإدارة الرياضية، على الرغم من قصر المدة التي تولى فيها رئاسة الهيئة العامة للرياضة، إلا أنها كانت كافية لتعديل ميزان القوة للإعلام والنفوذ الذي ترسخ، مشددا على أن سطوة الأندية تلاشت تماما في اللحظة التي تولى فيها تركي آل الشيخ سدة الرياضة.

وعن الإجراءات القانونية المتخذة في الأندية وما يترتب عليها، أوضح قاروب قائلا: «بالقياس مع القانون التجاري، هناك إفلاس حقيقي وتقصيري واحتيالي».

ويرى أن مسبب تصرفات إدارات الأندية يتفاوت ما بين حسن النية، وسوء النية، وتعمد تبديد أموال الأندية أياً كان مصدرها، ومصالح فاسدة وشخصية من تبديد تلك الأموال عند صرفها.