يقول أحد الأصدقاء: سكنت منذ سنتين بأحد الأحياء الجديدة شمال شرق مدينة جدة، لم يكن حينها إلا حي الكوثر والحمدانية شبه مكتملين، واليوم تشكلت مدينة أخرى من عدة أحياء، مثل الماجد والصالحية والهدى والفلاح والعزيزية ومخطط 83 وأم الحمام، جميعها تكتظ بكثافة سكانية عالية، شجعت كبار التجار والمستثمرين على فتح فروع لمحلاتهم ومطاعمهم الشهيرة، لكنها لم تكن كفيلة لوضع إشارة ضوئية واحدة تفك من اختناق الحركة المرورية!

يكمل صديقنا: قبل أشهر اتصل بي واحد من الجماعة جاء من الديرة لحضور زواج قريبه، وقال وده يزورني بالبيت وبالمرة يسأل عن أسعار الأراضي بالمنطقة، قلت له خلاص بارسلك الموقع (اللوكيشن) على الواتس، لكنه لم يتشجع لذلك، وقال إذا وصلت الحي كلمتك، وبالفعل اتصل وبدأت أعطيه الوصف: روح يمين في يمين وسيد على طول بعدين (خذ اليوتيرن وارجع)، بعدها لا تنسى خلك بالخدمة وادخل يمين من عند السوبر وطول سيده و(خذ اليوتيرن وارجع) يقول: طولت معه بالمكالمة حتى قاطعني مع آخر يوتيرن، وقال: الله ياخذ عقلك.. خلص البنزين وأنا أدور مكاني!

إذا أردتم الصراحة فقد أصبحت شوارع الأحياء الجديدة بعد إعادة تخطيط رسوماتها المعتمدة من قبل المهندسين الوافدين، مثل لعبة البحث عن المخرج، تستنزف وقتنا وجهدنا وجيوبنا حتى نصل إلى المكان الذي نقصده، وكأنها تذكرنا بذلك الرجل الذي سأل جحا عن مكان أذنه فقام بكل غباء ووضع يده اليسرى على أذنه اليمنى!

هذا التغيير الحاصل في رسم الشوارع بإلغاء التقاطعات والاكتفاء بيوتيرن واحد كل ثلاثة كيلو أرهق السكان بكل أمانة، خاصة مع غلاء أسعار المحروقات وقطع الغيار، فضلاً عن أنه أسس لعرف (عكس الشوارع)، لدرجة أنك تشعر في بعضها أنك في قلب المحيط حين يتقاطع سير السمك بكافة أحجامه، إضافة إلى أنك حين تمهد الطريق هكذا فإنك تشجع المراهقين على السرعة القاتلة، ولهذا أقترح إعادة رسم الشوارع على ما كانت عليه، مع تكثيف الإشارات المرورية، أو منح المواطنين وأصحاب المحلات (بدل يوتيرن) ليعوضهم شيئاً من المشقة والخسائر المادية والنفسية.

لقد أصبحت حياتنا كلها يوتيرن بعد أن ألغيت تماماً فرص التقاطعات الثمينة، فذلك العاطل كلما سلك السنين الطويلة بحثاً عن الوظيفة اضطره المدير الوافد للالتفاف والعودة لنقطة البداية، ونفس الوضع نراه مع المتقدمين على الإسكان حين يصطدم الواحد منهم في النهاية بمنتج لا يفي بالحاجة، فيجبره ذلك على الدوران والعودة لقائمة الانتظار!

عودة لحكاية صديقنا يقول: بعد أن تعشى ضيفي وأردت أن أوصف له طريق العودة، شال الخلالة من فمه، وقال ساخراً: من زين وصفك.. ما معك إلا (خذ اليوتيرن وارجع)، يعني ساعة زمن وأنا عودت عند بابك أدق الجرس!