كريح ناعمة تجوب «تونس» كنت أجلس في التكسي وصديقي المثقف «الشريف ناصر المنصور» متجولين، الصباح في «تونس» يتمايل كغجرية مغرقة بالحرية، والأرض تبدو كقماشة حريرية مزخرفة تهتز برفق ونعومة، لا شيء يشوه جمال الفجر أو يخدش هدوءه المهيب، لا شيء يفسد ابتسامة الصباح وهو ينشر نوره على الدنيا، السحب تتجه إلى وجهة مجهولة، تسير في اتجاه واحد تحت رعاية سماء ربيعية صافية الزرقة، لا يضاهي ثباتها شيء، توحي أن كل ما عداها يمضي، أفتح نافذة العربة، أستنشق الهواء بنهم، أحبسه في صدري لحظات، أغمض عيني برهة وأنا أعب من ذلك الهواء في صدري، خدر خفيف يصيب رأسي، فتحت عيني بعد ذلك على قصر محافظ على أناقته رغم القدم الذي يستتر خلفه، الشرفات الرخامية البيضاء بنيت بشكل غائر إلى داخل المبنى، وضعت على الحواف زخارف بارزة لأزهار وأشكال جمالية منتقاة، أحواض كبيرة مزروعة، فيها أزهار حقيقية وأحيطت بجدار حجري، معمار على الطراز الفرنسي مبهر للأبصار، كان البناء يغط في ذاك الصباح في الفخامة والصمت والهدوء الضجر، لا يبدو أن بداخله إنسانا أبداً ولا على نوافذه ولا على شرفاته ولا على الرصيف أمامه، كان كطفل الحرب الذي فقد أقاربه كلهم، نما في داخلي شغف كبير لمعرفة سر ذلك المكان، كنت أرنو للقصر كعاشق يرنو إلى قصر متيمته، أمعن في التأمل كبطل سابق في رياضة الغوص، أتقلب على أسنان منشار الفضول، هوس لا حدود له بالماضي، عراقة الماضي مازالت تسري في عروقي، أحسست أنني طائر وحيد عن له اكتشاف مملكة السماء، لم أتمالك نفسي أكثر بالحديث مع السائق، استوضحته عن سر ذلك القصر، أنا من المدمنين على التحدث مع سائقي التكاسي، إدمان الدب للعسل، سائقو التكاسي في كل المدن يعطونك ما يستوجب الأخذ، فسائقو التاكسي سجل حياة المدن، مادة فكرية وثقافية دسمة، مؤرخون بارعون للسيرة الحياة والبشر، مغرم بالحديث مع السائقين فمن يتصنع الغربة لا يحسن الحديث، خبرتي المتواضعة تمكنني من استمالة السائق في أي مدينة للحديث معي استمالة طفل صغير، السائق التونسي إنسان عالي الثقافة شديد التأدب أنيق الكلام، كان السائق رجلا مستدق الجسد، دقيق الملامح، صغير العينين، اكتسح الصلع جزءا كبيرا من رأسه، اختلجت عيناه الصغيرتان ما إن انتهيت من سؤالي، حتى تلقيت ابتسامة عذبة منه، ثم أتاني صوته بنبرة معطرة قال لي «إن وراء هذا القصر قصة تعود إلى عام ١٩٣٠م نحن نطلق عليه في تونس قصر «حبيبة مسيكة» وهي مطربة وممثلة وراقصة أهداها هذا القصر ثري يهودي تونسي ولم تسكنه قط، كان القصر هدية لزواج لم يتم، حيث كان ذلك اليهودي متزوجا وله أبناء، ولقد عشق الثري اليهودي المسن، واسمه «اليهوا ديفيد ميموني»، «حبيبة» عشقاً يتجاوز محبة قيس لليلى وعنترة لعبلة، وكان يمطرها بالهدايا والمجوهرات واستمرت العلاقة بينهما خمس سنوات لتنتهي بأن قام «اليهوا ديفيد ميموني» وبدافع الغيرة والانتقام بحرق «حبيبة» في مخدعها بعد أن تسلل لشقتها وسكب من قربته البنزين على مخدعها وأرضية الشقة، لتتوفى «حبيبة» محروقة، ولينتهي به الأمر أن يتوفى هو أيضا بعد وفاتها بأقل من شهر، وشيعت «حبيبة» في موكب كبير، وكان التونسيون بمختلف طوائفهم يتبعون النعش وكلهم حزن وأسف على فقدان نجمتهم المحبوبة، وجاء في إحدى المجلات الفرنسية أن سكان تونس ظلوا زمناً يرتادون إحدى دور السينما لمشاهدة شريط جنازتها والبكاء عليها، واستمرت سينما «تريانون» لمدة طويلة تعلن عن بث الشريط الوثائقي، وظلت حكايتها تتردد على الألسن طيلة أجيال، لا سيما بعد أن قام ابن «الياهوا» «ديفيد»، وكان كفيفاً ومعارضاً للعلاقة التي تمت بين أبيه و«حبيبة»بمنح هذا القصر للحكومة التونسية، وليتحول فيما بعد إلى «دار الثقافة التونسي» وأطلق عليه «دار حبيبة مسيكة»، التي لم تسكنه قط. كنت أستمع لسائق التاكسي ينهي تلك القصة لأقول له «الإنسان يصبح فكرة قصيرة جداً وبائسة منذ اللحظة التي ينصرف فيها من الحب للانتقام»، ليجيبني وبنبرة ساخرة، بل أعتقد أن اليهودي إذا أحب مكاناً أو إنساناً سعى إلى تملكه بالكامل، فإن فشل أحرقه أو دمره.. ألم أقل لكم إنه حتى سائق التاكسي في تونس إنسان مثقف!

*كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com