كلما تمعنت في التاريخ العربي الحديث أدركت أن العرب يخرجون من حالة استعمارية ليلتحقوا بأخرى، وكلما أدركت ذلك لمعت في ذهني مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي، والتي استنتج من خلالها أن لدى العرب قابلية للاستعمار، وهو ما أكدته فترة الخلافة العثمانية، التي جعلت معظم البلاد العربية تحت سيطرتها حتى مرضت فجاء من بعدهم البريطانيون والفرنسيون والإيطاليون، وهكذا مضت العقود لنصل إلى زمن الاستعمار الفارسي، الذي يزرع نفوذه عبر الوسطاء وبالوكالة من فيلق وحشد وحزب وأنصار، وهم جميعا عرب قد أذعنوا لهذا المستعمر الفارسي ليصبحوا جنوداً في رقعة الشطرنج المجوسي، على أن العرب يذعنون هذه المرة وفق رؤية طائفية، ويقادون إلى التشرذم والاقتتال الأهلي بين مكونات الوطن الواحد بحسب أوامر الولي الفقيه، وكلما أمعنوا قتلاً كان ذلك محفزاً في معتقدهم لخروج المختبئ في سردابه المزعوم بأنه «المهدي المنتظر» (وربما يكون مكوثه في السرداب سببا في تعطيل كثير من المشاريع التحتية مثل تمديدات المياه والكهرباء وشبكات القطارات الأرضية !). ودائماً تتجنى مثل هذه الأفكار الرومانسية الطوباوية على الناس، وتتسبب في أذاهم عندما يتم تبنيها، لكنها لا تلبث أن تزول بمجرد تهشيمها في وضح النهار وإعلان ذلك للناس، وكلنا نعلم قصة المهدي المنتظر والدعوة لمبايعته في الحرم المكي خلال حركة جهيمان، لكن المغرر بهم على قلتهم يوم ذاك استيقظوا على جثة المهدي المزعوم تعرض عبر التلفزيون، بعد أن تم قتله وبعض أتباعه المغررين في قبو تحت الحرم، وسيحدث الأمر نفسه لو جاء قائد شجاع من الإخوة الشيعة وقتل فكرة التكسب والتعلق بالمهدي المنتظر وخروجه من السرداب، وخلاصة ما يعنيني في هذه الجزئية هم نحن العرب القابلون - غالباً - للاستعمار أو الاستحمار - كما قالها أحد مثقفينا - منذ بواكير التاريخ، انطلاقاً من الفاطميين في مصر ومن الفينيقيين أو الفينيئيين في لبنان ومن تنظيم الحشاشين الباطني بقيادة الحسن بن الصباح

الذي ينضح تاريخه بالسوء وبالقتل والتنكيل في أهل اليمن، وهو الذي ولد في قم من بلاد فارس وتربى على الزندقة والدموية، وصولاً إلى ميراثه الطائفي ممثلاً في حزب الله والحوثيين وكل الميليشيات الفارسية المزروعة في بعض الأقطار العربية مكتسبة وجهها الاستعماري الواضح، بدليل مصادرة القرار السيادي في هذه الدول وجعله موكولاً لوكلاء «قم»، وهو ما يوجب على الحكومات والشعوب العربية، التي ما زال قرارها بيدها، أن تدعم توجه المملكة القومي العروبي المناهض على كل الأصعدة للاستعمار الفارسي الآخذ في التقهقر والانهزام بعد حملات الحزم والعزم التي تقودها بلادنا، التي - ولله الحمد - لم تطأ أقدام المستعمر أرضها المباركة، وستكون المملكة العربية السعودية، كما تظهر الأحداث، وبالاً على الطائفيين والتكفيريين والغلاة الذين تجاوزهم قطار الزمن.

* إعلامي وكاتب سعودي

IdreesAldrees@