يعرف التاريخ منذ عرف كيف يؤرخ لحياة الإنسانية والبشر.. إن التجارب قد أكسبت الحياة زخما معنويا جديدا.. يأتي صياغة لخلاصة تجارب آلاف السنين منذ أن ولد الإنسان الأول في مهد البشرية.

وفي وعاء التاريخ ملايين السنين وبالتالي ملايين التجارب التي انتهت إلينا عبر نهر السنين.. والإنسان بطبيعته يميل إلى فطرته الأولى.. وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها الإيمان والإسلام.

ومجموعة من المقومات والصفات لو قدر لها أن تنموا بعيدا عن المؤثرات والطفيليات التي تتسلق عليها من هنا وهناك.. والتي جاءت إفرازا سقيما لسوءات وسوء سلوك الإنسان.. الذي عجز عن أن يتكيف مع مجتمع الفطرة والسوية.. فلجأ إلى ممارسات يخدش بها حياء وكبرياء وفطرة مجتمعة.. بالطبع يأتي ذلك في عملية إسقاط لتراكمات من أبرزها الإحساس بالفشل وعدم القدرة على مجاراة الإنسان النظيف.. وحبا في السيطرة والتملك وخروجا على المألوف والمتعارف عليه.

المبادئ لنا لا علينا:

ونعيش اليوم مجاورين لعدد كبير من الأدعياء.. وخاصة من الذين قفزوا إلى سطح الشهرة.. بغتة وهم لا يشعرون.. ونجد منهم من يتصدر المجالس ويصدر أحكاما ظالمة غير منطقية وغير مدروسة أو مسبوقة بأرضية صلبة لثقافة ومعرفة متأصلة الجذور.. أسوق مثالا لأولئك الذين ينتقدون عالما أمضى ستين أو سبعين خريفا من عمره باحثا منقبا.. تدرج في سلم التعليم حتى وصل إلى ما وصل إليه، ونجد نفرا من الذين صنعتهم القراءات الحديثة يندفع بهم حماسهم إلى تسفيه آراء أولئك الفطاحلة.. مرد ذلك في رأي البعض لأن ضحالة المجهود الذي بذله في تحقيق معلوماته هو الذي سوغ له أن يتجرأ على هكذا أحكام.

انتقاء المواقف:

ومن العجب أنك ترى مجموعة أخرى تنتقي من المواقف والمبادئ ما يلائم فطرتها غير السوية.. ويناسب حالتها المزاجية والنفسية الراهنة.. وقد يزول ذلك الانطباع.. وذلك الحكم بزوال المؤثر.

ولكن حالة لبوسها.. فهو إن كان كاتبا أو متحدثا أو صاحب حاجة يتلون في معالجته للواقع وفق معطيات ومناخ هذا الواقع ولا يجد حرجا أن يسوق النقد لاذعا وجارحا.. وكأنه السياط تلهب جسد الحقيقة.. حتى لكأنك توشك أن تقع فريسة القناعة بأنه رجل ولا كل الرجال.. فهو مواطن من الدرجة الأولى غيور على المصلحة حريص على حقوق الآخرين.. ولكنك في صورة أخرى تجده مرنا إلى درجة النفاق.. يسير مع التيار في قدرة المحترف.. حاجته الشخصية هي التي تلون مبادئه فتارة بيضاء نقية وتارة دهماء.. وتعجب كيف يصدر عدم التوافق عن هذا الذي ملك عليك ناصية إعجابك بالأمس.. كيف يطرحك أرضا في هذا اليوم.

المصلحة الذاتية فوق كل اعتبار:

وآخر مهرج المجالس يختار من العبارة النارية الشيء الكثير تستمع إليها لفرط شجاعته الأدبية وجرأته.. ولكنك عندما تمعن النظر في تصرفاته تجده.. لا يجد عيبا في أن يسخر إمكانات وظيفته لخدمته وأسرته.. ويستغل حقوق الآخرين.. يستمرئ ذلك من أجل أن يخلق جوا مما يسمى (بالأبهة)، فمنصبه يتطلب (البرستيج) أي حسن المظهر في زي العظمة.. والنقد يصدر عنه في صراحة مطلقة.. وتحاول أن تطبق القول على الواقع فيهولك الأمر.

لماذا المبادئ لنا لا علينا:

إن هذه حالة مرضية ولا شك تجسد ثقوبا في نفسيات أولئك الذين يريدون المبادئ أن تكون لهم ووفق أمزجتهم وأهوائهم.. ويريدون أن يحملوا الأشياء أكثر مما تطيق.. فالدين والسياسة والأخلاق وضعت المبادئ تشريعا يغطي سماء الإنسانية.. يجد فيها الإنسان عوامل التقنين ما يكفل استقامة الحياة البشرية.. في جو من العدالة والانسجامية والتكافل للإنسانية جمعاء.. أما أولئك الذين شذوا عن القاعدة فيريدون المبادئ أن تكون طوع بنانهم.. والمبادئ قاعدة وضعت لتكون إطارا عاما يحكم تصرفات الجميع الكبير والصغير والغني والفقير والمسؤول والصعلوك، ولو أنصت الشارع لهؤلاء لدبت الفوضى وسادت الانتهازية وتسلط الرغائب الفردية.. والشارع حكيم وماض في طريقه نحو الغايات.. ولكن الخوف والألم من أننا نعيش حالة من اللبس وعدم الوضوح، فالساحة تعج بكثير من الأدعياء الذين يقاومون كل قوانين تحكم نزواتهم.. حتى ولو كانت سماوية.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 * كاتب سعودي

alialrabghi9@gmail.com