هل نحن مجتمع نقبل النقد فعلا؟ وهل هناك قبول «حقيقي» للنقد في مؤسسات الدولة ووزاراتها؟ الإجابة الأمينة والعميقة والصادقة عن هذا السؤال قد تكون أحد أهم دعائم النهج الإصلاحي الجديد. من الظاهر وبحسب ما أستطيع أن أحصده من معلومات وملاحظات أننا لا نأخذ النقد بشكل جدي ونرعى فيه مسألة حسن الظن ولكن ننحو صوب «شخصنة» المواضيع وتحويل أي نقد إلى «تجريج» و«إهانة» وبالتالي يصبح الموضوع في نظر المتلقي ما هو «سب وقذف»؛ لأننا نتحسس من المواجهة والمكاشفة والمصارحة، اعتدنا لمدة طويلة جدا على المداراة وتخبئة المواضيع بل وتزيينها بمساحيق تجميل مضللة على أقل تقدير حرصا على إظهار الجوانب المبهرة وإن كانت غير موجودة.

أكتب مقالات في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية بأشكال متنوعة منذ أكثر من 20 عاما، وأتذكر جيدا وقتها حينما كانت تأتي مكالمة من مندوب وزارة الإعلام، فيعرف نفسه ويسأل سؤالا بحاجة لدراسة الدكتوراه في السوربون أو التأمل لسنوات طويلة فوق قمم جبال التبت قبل الإجابة عنه والسؤال هو: بخصوص مقالك الأخير «وش قصدك؟» هذه النوعية من الأسئلة فيها فرضية موجودة سلفا أن الكاتب لديه نية أخرى ومقصد آخر خفي وإن نص المقال الظاهر لا علاقة له بالنص الخفي الذي ينشده الكاتب إنه الصراع الأولي مع الكلمة، أنا من جيل كان «يهرب» الكتاب بين ملابسه في حقائب السفر ويضع يده على قلبه عندما يفتح موظف الجمرك الحقيبة ويبدأ في التفتيش وعندما يجد «الكتاب» ويحوله إلى قسم الكتاب في الجمرك ليقرر هو إذا ما كان مسموحا به أم لا، وقد يحول لاحقا بعد ذلك إلى جهة أعلى لتقرر.

في مرة أذكر أنني أحضرت كتابا وصادره مني موظف الجمارك وقلت له ولكن الكتاب به نسخة مماثلة في مكتبة الجامعة وكان الرد «العبقري» في الجامعة مسموح ولكن الاقتناء الخاص غير مسموح، هذه قصص من زمن قديم رحل بحلوه ومره ولكن اليوم نحن على مفترق طرق به خارطة طريق شديدة الطموح ممهدة بورود الأمل بغد مشرق، وسيكون أحد أهم وسائل دعم هذه التوجهات هو الاهتمام بالنقد وإفساح المجال لحسن الظن لكي يكون العنصر الأساسي في العلاقة بين الكلمة والمسؤول وليس الشكوى ولا الإهانة.

لا يوجد في عالم الرأي شيء اسمه «السقف المسموح» أو «خطوط حمراء» حرية النقد في الأمم المدنية إحدى أهم عناصر التطوير والإصلاح وأرشيف القصص مليء بآلاف النماذج التي من الممكن الاستشهاد بها لتأكيد هذه المقولة.

نحن اليوم في أمس الحاجة لحوار وإفساح المجال أمام النقد بشكل مهني وحتى تكون لدينا قاعدة مؤسسة تفيد الأجيال التي تليها تباعا ويكون بذلك تحقق إنجازا مهما وهو تكوين منهجية مستدامة للتواصل بين الرأي ومن يقوم عليه وقطاعات ومؤسسات الدولة المختلفة، وهذا بحد ذاته إنجاز يستحق العمل لأجله.

ايمانويل كانط الفيلسوف والمفكر الألماني القدير قال ذات يوم إن سر نجاح الحضارة الغربية هو قدرتها على النقد. وفي ذلك القول حكمة عظيمة.

* كاتب سعودي