-A +A
حمود أبو طالب
أينما ذهبنا، مسؤولين أو مواطنين عاديين، تلاحقنا وصمة التنميط السلبي التي اخترعها بعض بني يعرب ضدنا قبل أن يتلقفها الغرب، بأننا مجتمع البداوة الذي تفجر النفط في صحرائه لكنه يظل بدويا وبدائيا، لا يعرف سوى ثقافة الإنفاق لكنه لا يمتلك من معطيات الحضارة الإنسانية شيئا. تفنن شعراء عرب ومثقفون على وضع شعار الجمل والنفط والصحراء والخيمة على هويتنا وبالغوا وتمادوا في السخرية والتنميط السلبي، لكننا للأسف ساعدناهم في ذلك دون أن ندرك بأن انصرفنا عن الاهتمام بتقديم إرثنا ومحصولنا الثقافي والفكري ومنتجنا الفني والإبداعي الذي نملك منه الكثير والجميل.

لم تهتم بذلك المؤسسات الرسمية، أرسلنا مئات الوعاظ والدعاة إلى أصقاع الأرض لكنا لم نرسل مثقفا أو أديبا أو فنانا. يذهب المسؤولون الرسميون إلى بلدان العالم فيسألونهم عن النفط والثروة ولا يسألونهم عن ثقافة وإبداع، لأنهم لا يظنون أن لدينا شيئا من ذلك. تعبنا ونحن نطالب باستخدام قوتنا الناعمة لكن بلا جدوى، والحقيقة أن مطالبتنا كانت نوعاً من العبث إذ كيف نطالب بتقديم أشياء هي ضمن المحظورات كالفن والموسيقى والغناء والمسرح والسينما. وعندما حضرت رؤية ٢٠٣٠ وأكدت على إبراز الهوية الثقافية للمملكة وتفعيلها في بناء الجسور مع الثقافات الأخرى تخيلنا أن ذلك ضرب من الوعود التي لن تتحقق، وإذا تحققت سيكون ذلك بعد زمن طويل يشوبه الجدل والنزاع حولها. لكن يبدو أن الأمر اختلف، وأننا نطوي بسرعة صفحة كئيبة من الماضي، ونفتح صفحة مشرقة تحتفي بكل ما له علاقة بالإبداع الإنساني، تقدمنا للعالم كما يليق بنا، وبالشكل الذي يصحح الصورة المغلوطة التي ترسخت لدى كثير من الشعوب.


التظاهرة الثقافية الكبرى التي صاحبت زيارة الأمير محمد بن سلمان لأمريكا كانت تدشينا رائعا للوجه السعودي الجميل أمام العالم، بثقافته وفنونه المختلفة. من واشنطن إلى نيويورك تقاطرت أعداد كبيرة لتكتشف أشياء لم تكن تتخيلها لدينا، يقدمها شباب وفتيات يستحقون أن نباهي بهم. صحف وقنوات تلفزيونية ومواقع تواصل نقلت تلك الفعاليات بدهشة كبيرة وإعجاب أكبر، لقد زاحمت أخبارها أخبار الاتفاقيات والشراكات الاقتصاديات وأصبح الشارع الأمريكي يتحدث عن سعودية الفن والثقافة والإبداع وليس سعودية الخيمة والجمل. أصبح لنا وجه آخر جميل نتمنى أن يستمر الاحتفاء به بشكل أكبر ومستمر.