قبل ثلاث سنوات، كتب الدكتور هنري كيسنجر، أستاذ العلاقات الدولية ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق الشهير، مقالا، لقي صدى واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية العربية والعالمية، يجدر التوقف عند بعض مضامينه، لصدوره من هذا الأكاديمي والسياسي، الذى صال وجال كثيرا في فضاء السياسة العالمية والإقليمية والعربية في فترة السبعينات من القرن الماضي، وكانت له لمسات وتأثيرات واسعة على مجريات الأحداث، في ذلك الحين وما تلاه.

طغى الشعور الصهيوني الإمبريالي العسكري على رؤية كيسنجر وتحليله للأحداث، خاصة تلك المتعلقة بالمنطقة العربية. فقد كتب ناصحا المسؤولين الأمريكيين بما ينبغي عليهم أن يعملوه تجاه روسيا والصين، والشرق الأوسط بعامة، مضمنا ذلك فكرا رغبويا واضحا، يتجلى في تحليله الإرشادي، وتوصياته التي تعبر عن ميوله، وليس بالضرورة عن ما هو كائن من حقائق على الأرض.

وبسبب المستجدات الأخيرة في صنع الأسلحة الصاروخية الباليستية، واختراع صواريخ قادرة على اختراق الدفاعات الجوية والأرضية (الصاروخ الروسي RS-28 مثالا) يجدر بنا أن نناقش باختصار في ما يلي فكرته عن: احتمال نشوب الحرب العالمية الثالثة القريب جدا (طبول الحرب تدق) ومسألتي انتصار أمريكا وإسرائيل الساحق في هذه الحرب – كما تنبأ. كما أننى أكتب هذا المقال، والذى يليه، استكمالا لما كتبه أخي وصديقي الدكتور طلال بنان، بعنوان: نذر الحرب النووية («عكاظ»: العدد 18819، 6/‏ 3 /‏ 2018، ص 17).

***

بالنسبة لاحتمال اندلاع الحرب العالمية الثالثة، وهى حرب لا بد أن تكون نووية: فإن هذا الاحتمال وارد دائما... ووارد جدا الآن. ولكن، لا توجد – حتى تاريخه – بوادر تؤكد قرب نشوب هذه الحرب، بما في ذلك ما يجري حاليا على الساحة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط. ربما لو حصل تصعيد كبير في هذه المنطقة بالذات، فإنه سيشعل (لا سمح الله) هذه الحرب... على غرار الشرارة التي أدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، التي تمثلت في هجوم ألمانيا على بولندا.

وباعتبار ما لدى أطراف هذه الحرب المحتملة من أسلحة دمار شامل، وبخاصة السلاح النووي، فإن الحرب العالمية الثالثة غالبا ما ستنتهي بتدمير كل العالم، أو معظمه. فما لدى أمريكا وروسيا فقط من السلاح النووي يمكن أن يدمر العالم ككل، بما يعادل 6 مرات، وليس مرة واحدة...؟! وبذلك، يصعب تصور إقدام قادة الدول المعنية على خوض حرب فناء مجنونة... لا تبقي ولا تذر.

***

وبالنسبة لـ«انتصار أمريكا» (كما تنبأ): صحيح أن أمريكا ليست فقط قوة عظمى (Super Power) وحسب، بل يمكن الآن اعتبارها قوة هائلة (Hyper Power). فهي تمتلك من الأسلحة أفتكها، وأشدها دقة وتدميرا. ولكن أمريكا تواجه طرفا يمتلك ترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، وخاصة النووية... كما أن لدى هذا الطرف (روسيا /‏ الصين) إمكانية توجيه «الضربة الثانية» (Second Strike) أي القدرة الجبارة على امتصاص الضربات الأولى (المبادرة) من الخصم، وتوجيه ضربات رد فعل ضده. وهذا يعنى أن أمريكا ستتعرض أيضا لدمار شامل، ولن تنجو هي الأخرى من التدمير التام، أو شبه التام. وإن نجا جزء من أمريكا، فإن وقوفه على قدميه، وتمكنه من «قيادة العالم الجديد»، سيستغرق عقودا طويلة.

وهناك مناطق (دول) من العالم قد لا يصيبها دمار شامل، من حرب عالمية ثالثة شاملة التدمير... قد يكون منها: أستراليا، وبعض بلاد أمريكا الجنوبية، وأفريقيا، التي قد تجد نفسها فجأة وقد نجت جزئيا، أو كليا. وربما تصبح هي القوى الدولية الجديدة... باعتبار عدم وجود أقوى منها، بعد تلك الحرب...؟!

واستحداث صواريخ عابرة للقارات وقادرة على اختراق الدروع الدفاعية قد يغري بشن هجمات نووية من هذا الطرف أو ذاك. الأمر الذي يجعل قيام حرب نووية أكثر احتمالا. ولكن امتلاك القوى النووية الكبرى لإمكانية توجيه «الضربة الثانية» سيظل رادعا قويا لهذه القوى عن الإقدام على هكذا مخاطرة.

***

وادعى كيسنجر في مقاله ذاك أيضا، احتمال «استيلاء إسرائيل على نصف الشرق الأوسط»: وادعاؤه هذا مبالغة كيسنجرية – في رأيي، نابعة من صهيونيته، ودعمه لإسرائيل. هو يرى أن إسرائيل ستهاجم العرب و«تقتل منهم أكبر عدد ممكن». ثم تستولي على نحو «نصف منطقة الشرق الأوسط»... متناسيا أن إسرائيل عبارة عن جيش لديه دولة، لا دولة لديها جيش. وهذا الجيش يمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية (نحو 300 رأس) وغيرها من سلاح الدمار الشامل. ولذلك، فإن الانتصار العسكري المؤقت والعابر لإسرائيل على الأرض أمر متوقع. ولكن هذه الإسرائيل ليست سوى كيان كريه عابر. إذ يتوقع أن تهاجم الشعوب العربية والإسلامية المتبقية الكيان الصهيوني لما يرتكبه من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، ضد الفلسطينيين، والعرب.

ومعروف أن هذه الشعوب تحمل غبنا دفينا تجاه إسرائيل. ولولا الاحتياطات الأمنية التي تحاط بها إسرائيل منذ قيامها، لاندفع نحوها الآلاف رغبة في الاقتصاص، وانتقاما لضحايا العدوان الصهيوني. وهذه الحرب، إن اندلعت، ستتيح مهاجمة إسرائيل، كما لم تتجه من قبل. ولن تهنأ إسرائيل – كما يتوقع – بأي نصر عسكري طارئ. فقد تعني حرب كهذه نهاية الكيان الصهيوني العدواني المصطنع، بعيد انتهاء هذه الحرب.

الشاهد، يصعب تصور اندلاع حرب عالمية ثالثة في المدى القريب، طالما أن هناك تطورات تقنية متماثلة ومتزامنة في مجال صناعة الأسلحة الإستراتيجية لدى القوى النووية الكبرى. ولو قامت هذه الحرب فإنها غالبا ما ستكون نووية، وتعني تدمير كل أطرافها المباشرين تدميرا هائلا. ولن تكون حرب كهذه فرصة لإسرائيل لتتوسع، وتهيمن أكثر. إسرائيل لا يمكن أن تسيطر على المنطقة أكثر إلا بالوسيلة السياسية المتمثلة في سعيها الدؤوب لتجزئة وإضعاف دولها أكثر.