احترام القوانين والأنظمة قضية متشابكة ويصعب حسمها طالما ظلت نصوصها في واد والتطبيق في واد آخر، فالإشكالية ليست في المزيد، قدر الحاجة إلى التطبيق وتفعيلها على أرض الواقع، وإلى توسيع وتعزيز هذه الثقافة لدى أفراد المجتمع، وتلك مسألة شديدة الارتباط بمدى الوعي الحضاري، فالذي ألزم نفسه باحترام القوانين والتعليمات عن قناعة، تجده يشعر برضا وسعادة داخلية وليس خوفا من عقوبة. والعكس من ذلك تجد المتسيب والمتهور يتفاخر بمخالفته عن عمد ويتجاوز حق الطريق والآخرين ويضيق ذرعا بالضوابط إلا عندما تؤلمه العقوبة أو يخشى رقيبا وهو في غفلة عن أن الله يراه، وهكذا يفعل بعقله الخرب وسلوكه الطائش ما لا يفعله المحترمون ولا حتى عالم النمل والنحل ومخلوقات الله التي فيها أمثلة حية لروح المجموع ولا تنشغل إلا بما يحفظ مصلحته وحياته.

احترام القوانين ثقافة عظيمة لا تتأتى إلا لأولي العقل والعزم والأخلاق الحسنة، كما أنها لا تأتي صدفة ولا في يوم وليلة، إنما هي غرس وتنشئة وقدوة ومتابعة، ودائما في كل شيء إيجابي وسلبي تكون البداية من البيت، فعبارة (الأسرة نواة المجتمع) ليست كلاما إنشائيا إنما حقيقة جلية، وإذا صحّت النواة صح الغرس واستقام المجتمع في أشياء كثيرة.

الأب الذي يصطحب افراد أسرته ويرونه قدوة يحترم حق الطريق والآخرين، إنما يغرس فضائل عظيمة في الانضباط، والذي لا يحترم إشارة المرور والسرعة عندما لا يتواجد الرقيب أو الكاميرا أو ساهر، ويتجاوز هذا ويضايق ذاك ويسب آخر، إنما هو قدوة سيئة يلتقطها أبناؤه، وها هو المجتمع يترقب موعد قيادة المرأة للسيارة وسيحتاج حتما إلى سلوك مروري قويم قبل التشريعات، وثقافة احترام المرأة وهي خلف مقود سيارتها وحمايتها من المتحرشين والبصاصين المتبجحين الذين لا يقيمون وزناً لغض البصر ويفعلون ما لا يرضونه لأهلهم من كلمات ونظرات وأفعال قبيحة.

فرق كبير بين الطيبات والخبائث، وثمين الخلق ورخيصها والرفعة والوضاعة، وقل ما شئت من المتضادات بين جميل الصفات وقبيحها، وهنا بيت القصيد في دور الأسرة وهي الحاضنة الأولى للتربية والقدوة، والتقوى من قبل ومن بعد، وكما قال الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي بمثله

عار عليك إن فعلت عظيم

أيضا التعليم بدءا من الابتدائية وما بعدها من مراحل، هو وعاء بل نبع تربوي أساسي لقيم الانضباط، نتمنى أن يكون لها مكان في المناهج وخارجها لتقويم السلوك بالفعل وليس فقط بالدرجات، ويدعمها حزم إداري وقدوة من المعلمين والمعلمات، وبذلك تكمل المدرسة البناء الأسري، ليأتي دور المجتمع الواسع الذي يجب أن يغار أكثر على القيم العامة ولا يكون شاهدا سلبيا حتى وإن اختلفت الحياة عن زمان.

إننا حقا بحاجة في هذا العصر ومتغيراته إلى استعادة الروح الجميلة للانضباط، وليعلم كل فرد أن احترام الأنظمة والتعليمات هو تطبيق لقيم ديننا الحنيف التي أمر بها، وما الأنظمة والقوانين إلا قبس من الهدي الرباني والنبوي العظيم لاستقامة الحياة والمحافظة على النفس وحقوق الآخرين، وتلك ثقافة شعوب كثيرة قد لا تعرف الكثير عن نصوص قوانينها، لكنها تحرص عليها في سياق عام للمجتمع وتنشأ عليها الأجيال باحترام الحقوق والواجبات، ويبني هذه الثقافة المجتمعية بجدية، فلا خطأ بدون عقاب وتقويم، فمتى نصل بمجتمعنا إلى هذا الالتزام الجميل بقيم الحياة؟.