أعتقد أن أكبر انتصار حققته السعودية سياسياً في العقد الأخير هو جعل مشروعها للطاقة النووية للأغراض السلمية مشروعاً يحظى بقبول العالم أجمع، بل إن حرص السياسة السعودية على تنويع مصادر نقل التكنولوجيا النووية سيمنحها خبرات فريدة للكوادر التي أعدت وتعد لهذا الغرض، ولذلك كان توقيعها لاتفاقيات مع دول عديدة بدءا من الصين وكوريا الجنوبية وروسيا وانتهاءً بفرنسا وبريطانيا وأمريكا بشأن مشروعها لإنشاء 16 مفاعلا نوويا خلال العقدين القادمين.. والمملكة نجحت فعلاً فيما عجز عنه كثير من دول العالم في جعل مشروعها لتوليد الطاقة النووية للأغراض السلمية واقعاً تتنافس على تحقيقه كثير من دول العالم شرقاً وغرباً..

السعودية وفق رؤية 2030 بلد طموح جداً عزز من طموحه وجود قيادة شابة على رأسها الأمير محمد بن سلمان ذو الهمة العالية الذي يحب أن يرى بعينيه ما يحلم به السعوديون الآن وقد تحول إلى واقع وحقيقة يعيشونها، ولذلك فالسعودية رغم كونها البلد الأضخم في احتياطيات النفط تعرف أن مكامن القوة لأي دولة في العالم هي قدرتها على احتفاظها بإنتاج الطاقة والقدرة أيضاً على تكوين مزيج لها ولبدائلها، سواء كانت أحفورية (النفط والغاز) أو متجددة كالطاقة النووية والشمسية وطاقة الرياح، وهي تسعى بثبات لتكوين مزيج الطاقة من كل تلك المصادر تأميناً لتنميتها ومستقبلها ووفاء بالطلب المتزايد محلياً على تحلية المياه وإنتاج الكهرباء لخدمة القطاعات الصناعية والسكنية والزراعية من جهة، ومن جهة أخرى توفير أكثر من مليون برميل بترول لتصديره وتصنيعه كمنتجات بتروكيماوية وتحويلية ودعم نهضتها في كثير من العلوم والصناعات الطبية والزراعية والتكنولوجية.

وإذا كان الطموح السعودي للتنمية والنهضة ستستفيد منه كل دول المنطقة، فالسعودية فيما لو نجحت في تحقيق 50% من طموحاتها وأهدافها ستكفل نهضة وتنمية ورخاء اقتصاديا لكل الشعوب من حولها، إلا أن الصورة ليست وردية على إطلاقها، أو على الأقل ليست بعيدة عن التحديات الكبرى، ومن أهمها وجود جارة على مقربة منا وهي إيران، تظهر العداء دائماً لنا ولجيرانها، وتسعى بشتى الطرق للحصول على سلاح نووي وتقنيات تسمح بوصول صواريخ نووية لكل المدن السعودية، في محاولة لتعويض الهوة التي تفصلها عن السعودية اقتصادياً وعسكرياً، ورغم اتفاقية البرنامج النووي الإيراني 5+1 التي عقدتها الدول الكبرى مع إيران إلا أن السعودية تدرك أن هذه الاتفاقيات وقتية ومحددة بزمن لا يتجاوز 15 عاما على ما في هذه الاتفاقية من نقاط ضعف يمكن أن يستغلها النظام الإيراني المراوغ.

ولذلك فإن كبرياء السعودية داخلياً وخارجياً لن يسمح على الإطلاق بأن تكون دولتهم وشعبهم ومقدراتهم محاصرة بين قوتين نوويتين في المستقبل إيران وإسرائيل، ولذلك كانت الرسالة واضحة وصريحة من القيادة السعودية ممثلة في الأمير محمد بن سلمان للعالم أجمع وقبل لقائه بالرئيس الأمريكي بأن السعودية ستطور قنبلة نووية بأسرع مما يتصور الآخرون إذا ما تراخى العالم في وأد المشروع النووي العسكري لإيران.. هذه الرسالة من ولي العهد السعودي لم تعد رسالة مواربة في ردهات الدبلوماسية ومراكز البحث، بل هي رسالة صريحة بأن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي حيال التراخي العالمي مع إيران، ولديها القوة والبدائل والخيارات المناسبة لعدم رهن شعبها ومستقبلها ومقدساتها تجاه مجموعة مجانين في طهران!