كانت الأخبار الأبرز من طهران الأسبوع الماضي تدور حول الاحتجاجات المناهضة للحجاب الإجباري، وفتحت سلطة الملالي مركزا وسط طهران يقوم بالتحقيق مع الفتيات غير الملتزمات بالحجاب وإيقاع عقوبة الجلد عليهن دون الرجوع للقضاء.

الدولة الثيوقراطية معضلة كبرى في علاقتها بالداخل أولا، لذا تظل تعكس حالة من التناقضات الكبرى والتعقيدات المتزايدة التي تنتهي بها إلى مواجهات لا محدودة.

المسألة الأخلاقية من المنظور الديني أبرز وأخطر أزمات الدولة الثيوقراطية؛ إنها تجعل من الحكم الفقهي الواحد نمطا شموليا تتعزز معه الأحادية وغياب التنوع التي يمثل لبّ الدولة الحديثة، ولباس المرأة يمثل أبرز معارك الكيانات والخطابات المتشددة في المنطقة العربية، فهو مرتبط في تكوينه وهدفه بالمسألة الأخلاقية، وهو مرتبط سياسيا بتعزيز الهيمنة التي يسعى الإسلام السياسي لبسطها في كل المجتمعات التي يكون له فيها موطئ قدم. لماذا يركز الإسلام السياسي على المسألة الأخلاقية الدينية؟ لأنها الأقدر على التحكم في الوجدان الشعبي العام، مما يضمن حالة الانصياع العام أيضا، إن حالات الجلد التي تقام اليوم في طهران للفتيات المناهضات لإجبارهن على ارتداء لباس معين، لن تؤدي أبدا لإقناع الفتيات به، وسيعزز حالة النفور من مختلف التعاليم الدينية المفروضة ولكنه يعكس حالة الوصاية والأبوية التي تعتنقها الحركات الدينية.

قبل العام ١٩٧٩ لم تكن المسألة الدينية الأخلاقية تحظى بأي حضور في الشارع العربي حتى ظهرت الدولة الدينية الوحيدة التي تجعل من المذهب والفقه مشروعا وسياسة وتجعل من الفقيه حاكما وسياسيا، ووقع العالم المتحضر كله في خطأ جوهري حين صمت عن قيام هذا الكيان وفق هذا النموذج، وتمثل إيران اليوم آخر دولة دينية في زمن الدولة المدنية الحديثة التي تمثل آخر وأنضج نموذج وصلته الحضارة الإنسانية بعد أزمنة حروب الأثنيات والأديان والقوميات.

بدا الإلحاح على المسألة الدينية يمثل مظهرا يوميا في الشارع العربي والإسلامي في المنطقة؛ وجاءت الصحوة لتمثل المقابل الطائفي للصحوة الشيعية الإيرانية، وربما كان العامل الوحيد الذي أسهم في إدانة المشروع الديني السياسي الإيراني وخفف أشكال المواجهة أن الصحوة السنية المقابلة للصحوة الشيعية لم تكن دولة بمعنى أنه لم تظهر دولة دينية ثيوقراطية سنية يحكمها فقيه سني مقابلة للدولة الدينية التي يحكمها فقيه شيعي، وهو ما جعل إيران كيانا وحيدا في مواجهة كل الكيانات المحيطة بها التي تسعى للإعلاء من شأن الدولة الوطنية المدنية، والتي أخذت كلها في مواجهة آثار وتبعات قيام الدولة الدينية الإيرانية من منطلق وطني لا من منطلق طائفي.

أخذت حركات الإسلام السياسي في كل المنطقة تقتفي أثر النموذج الإيراني، كانت الخطوة الأهم تتمثل في الهيمنة الاجتماعية على الشارع عبر تحشيد وضخ مختلف التعاليم الدينية ذات البعد الأخلاقي، وكانت المرأة أبرز محاور ذلك الحشد، وحيث لم تقدم الدول الوطنية في المنطقة آنذاك مشروعا حضاريا ثقافيا داعما للمدنية والانفتاح، انتصرت أصوات المشروع الصحوي الديني، وبدأ الشارع يربط بين التدين والمظهر (مثل المظهر أبرز محاور الدعوة الإيرانية) في ظل تراجع واسع للقيم الإسلامية الحقيقية. وشهدت المنطقة حالة من التراجع المدني على مختلف المستويات.

التحولات التي تمر بها المنطقة اليوم أفرزت واقعا جديدا يعمل بكل تلقائية على الحد من تفشي مفهوم الإدارة الأخلاقية الشمولية لتحل محلها الإدارة القانونية التنظيمية التي تقدمها الدولة المدنية.

تضبط الدولة الحديثة المسألة الأخلاقية لا من خلال الفقه بل من خلال القانون، ولا من خلال المحرم والمباح (التي هي في الغالب مناط اختلاف) بل من خلال المسموح والممنوع والنافع والضار والقانوني وغير القانوني، تلك القوانين والتنظيمات تنطلق في أساسها من القيم الثقافية لكل دولة، وفي منطقتنا حيث يمثل الدين محورا مهما في الثقافة نرى مختلف القوانين تنطلق منه كقيمة محورية عليا.

حالة الانهيار التي يعيشها الخطاب الحركي تهزم معها باستمرار كل تركته وتأثيره الاجتماعي حتى في المسألة الأخلاقية، التي سيديرها الأفراد من خلال الأذواق والأعراف والقيم ومستويات التدين الخاصة بهم، وستديرها الدولة من خلال الأنظمة والقوانين.