النار المقصودة هنا هي النار الكبرى الموعودة في اليوم الآخر جزاء وعقابا للعصاة والمخالفين، هذه النار بكل أوصافها وأهوالها وحجمها وما ورد في النصوص والأخبار عنها، هل هي موجودة الآن على كوكب الأرض؟ وهل يمكن تحديد موقعها؟

هذا السؤال قد يبدو للوهلة الأولى غريباً لافتا بعض الشيء، إلا أن هذا السؤال مطروح بتوسع واستفاضة في المباحث العقدية التي تورد في طياتها آراء متعددة ومختلفة للمفسرين والمحدثين الذين ذكروا مواضع مختلفة يحتمل أنها موضع للنار، وأنها مخلوقة موجودة الآن.

وقع في يدي مؤخراً كتاب طريف تناول هذه المسألة وذكر الأقوال الواردة فيها، بعنوان (تعيين مكان النار على ضوء نصوص الوحيين والآثار) لمؤلفه سعود الصاعدي – الأستاذ في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – وفيه استعرض عددا من الآراء المرفقة بالنصوص والشواهد التي تضافرت على تحديد موقع النار في كوكب الأرض على اختلاف بينهم في تعيين مكانها بالضبط، لكن مما اتفق عليه الجمهور أن النار مخلوقة موجودة الآن، كما يقول ابن القيم: «لم يزل أصحاب رسول الله والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته - أن النار مخلوقة موجودة الآن - مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة..، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون النار مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله»، يقول المؤلف: «معلوم شرعاً أن الأدلة قائمة ومتكاثرة على أن النار موجودة الآن مخلوقة منذ القدم، كما نص على ذلك ابن كثير: والنار موجودة الآن لقوله (اتقوا النار التي أعدت للكافرين) فنص هنا على (أعدت)، أي أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة على ذلك منها حديث أبي هريرة عند مسلم قال: كنا عند النبي عليه السلام فسمعنا وجبة فقال: أتدرون ما هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم.. قال: هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا، فالآن حين انتهى إلى قعرها. ومعنى أرسله الله في جهنم من سبعين خريفاً: أي أنها مخلوقة موجودة. وورد أيضاً (أن النار اشتكت إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير. وفي رواية للبخاري: فأشد ما تجدون من الحر فمن سمومها وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها)».

يورد المؤلف الأقوال الواردة في تعيين مكان النار الآن، بين من يرى أنها في الأرض، وموقعها البحر، والبحر حين تقوم الساعة يتحول إلى النار الكبرى، وبين من يرى أنها تحت البحر، والبحر غطائها، أو أنها تحت سبعة أبحر، وقيل إنها في الأرض السابعة، أو تحت الأرض السابعة السفلى، وذكر أنها في باطن الأرض في موضع لا يدرى أين هو، وورد أن مكان النار موضع في سور بيت المقدس الشرقي، وقيل إنها في الطريق من مكة إلى بيت المقدس، وذُكر أنها محيطة بالدنيا، ففي الأثر ما ورد عن النبي عليه السلام «إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائه، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقا إلى الجنة».

ومن الشواهد والأدلة على الأقوال السابقة حسب ما ورد في موسوعة الدرر السنية: قول ابن عباس (أما جهنم فإنها في الأرض السابعة). رواه أبونعيم. وخرج ابن منده عن مجاهد قال: (قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أين النار؟ قال: تحت سبعة أبحر مطبقة)، وخرج ابن خزيمة، وابن أبي الدنيا عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه: (إن الجنة في السماء، وإن النار في الأرض)، وابن أبي الدنيا عن قتادة: (كانوا يقولون: الجنة في السموات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع)، وفي حديث البراء في حق الكافر: (يقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً). وأخرج الإمام أحمد بسند فيه نظر عن يعلى بن أمية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البحر هو جهنم) فقالوا ليعلى: ألا تركبها -يعني: البحور- قال: ألا ترون أن الله يقول: (نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله عز وجل ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله عز وجل. قال الحافظ ابن رجب: (وهذا إن شئت فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة فتصير بحراً واحداً، ثم يسجر ويوقد عليها فتصير ناراً، وتزاد في نار جهنم. وقد فسر قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ بنحو هذا). وقال ابن عباس: تسجر تصير ناراً. وفي رواية عنه: (تكون الشمس والقمر والنجوم في البحر فيبعث الله عليها ريحاً دبورا فتنفخه حتى يرجع ناراً) رواه ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وأخرجا عنه أيضاً في قوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. قال: (هو هذا البحر فتنشر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر فيه فيكون هو جهنم). وقال علي رضي الله عنه ليهودي: (أين جهنم؟ قال: تحت البحر قال علي: صدق، ثم قرأ: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) رواه ابن أبي إياس. وخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ. قال: (قالت الجن للإنس: نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج). وفي سنن أبي داود عن ابن عمرو مرفوعاً: (لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، أو غازٍ في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً).

ورغم كل هذه الأقوال والشواهد إلا أن الحافظ جلال الدين السيوطي اختار التوقف، وقال: «ونقف في النار، أي نقول فيها بالوقف - أي محلها- حيث لا يعلمه إلا الله، فلم يثبت عندي حديث اعتمده في ذلك)، ومثله رأي ولي الله الدهلوي الذي قال: «ولم يصرح نص في تعيين مكانهما - أي الجنة والنار- بل حيث شاء الله تعالى، ولا إحاطة لنا بخلق الله وعوالمه».

أما الإمام محمد عبده فقد علق على الخلاف حول هذه المسألة في تفسير جزء عم، قائلا: «إن نار جهنم هي دار العذاب في الآخرة، وهي نار يجب علينا الإيمان بها والتصديق بأن العذاب فيها أشد من عذاب نار الدنيا، كما يجب علينا أن لا نبحث في حقيقتها ولا بم تتقد، ولا أين يكون موضعها، فذلك مما لا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، وليس بمحال عقلي حتى نحتاج فيه إلى تأويل».

* باحث وكاتب سعودي