-A +A
طارق فدعق
هي من أكثر الكلمات المتداولة في اللغة «اليديشية»، وتلك اللغة هي من الأكثر تداولا بين اليهود حول العالم، سواء كانوا بداخل أو خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي خلطة من العبرية، والألمانية، والسلافية، و«رشة» من بعض اللغات الأخرى.

ومعنى الكلمة هو: الجرأة حدّ الوقاحة، وهي أكثر عمقا من «البجاحة».. وأشد وقعا من مجرد قلة الأدب.. وأكثر عمقا من «السرسرة»... وأكثر «لقافة» من الشجاعة. وللكلمة أبعادها السلوكية الرهيبة، وأحد أقوى أدوارها هو استخدامها السياسي الذي غير حياة الأمم بجرة قلم، أو محتوى قرار طائش.


وبعض من أغربها نجده في تاريخ الاستعمار، بعد سقوط الأندلس بالكامل عام 1492، واكتشاف أمريكا من «كريستوفر كولومبوس» في نفس العام في البعثة الإسبانية، اشتد عود مملكة إسبانيا بطريقة عجيبة، وبالذات في الغرب حيث تم استعمار أمريكا، وبالذات أراضي الوسطى والجنوبية بطرق غير مسبوقة. دمرت الحضارات الموجودة هناك، وتم نقل كميات مهولة من الذهب والفضة من أمريكا إلى خزائن المملكة الإسبانية. وبالتالي فقد تسبب ذلك التحول الهائل في الثراء إلى إيجاد فلسفة استعمارية جديدة.

جدير بالذكر أنه بعد التحول الإسباني بفترة بسيطة، قام المكتشف البرتغالي «فاسكو دي جاما» باكتشاف رأس الرجاء الصالح في جنوب القارة الأفريقية مما فتح الطريق إلى الوصول إلى الهند والصين بطريقة جديدة. وبعدها بفترة وجيزة جاء الملاح البرتغالي «فردناند ماجلان» ففتح المزيد من الدروب البحرية. وبعدها بدأت كنوز الشرق تجد طريقها إلى أوروبا من خلال البرتغال بشكل غير مسبوق من خلال «دروب الحرير»..

طيب وما علاقة كل هذا بموضوعنا؟

بدءا من عام 1493، ظهرت أربع موجهات من الكنيسة لتتبلور في اتفاقية «تورد سيلاس» Tordesillas على وزن «تودي زي الناس»، ومن خلالها تم استخدام مجموعة جزر «كايب فردي» Cape Verde في المحيط الأطلنطي غرب أفريقيا وبمحاذاة دولة «السنغال» لتوزيع الملكيات. جاء في الاتفاقية أن كل ما هو غرب تلك المجموعة يكون ملكا لإسبانيا.. وكل ما هو شرقها يكون ملكا للبرتغال؛ يعني بكل بساطة قرروا بينهما أن يتقاسموا غنائم العالم (ذهب، وفضة، وبهارات، وحرير، وشاهي) وما شابهها من الكنوز.. بل حتى البشر من خلال تجارة العبيد.. «خوتزبا».

وهناك عشرات الأمثلة على الـ«خوتزبا» السياسية التي تسببت في الموت والدمار لملايين البشر، وتدمير حضارات، وإعادة تشكيل مجموعات من الدول عبر التاريخ.. ولكن هناك ما هو أهم من هذا وهو وضع منطقة الشرق الأوسط والتجاوزات السياسية العظمى التي ارتكبت خلال القرن الماضي؛ جرى تقسيم الدول العربية وكأنها هدايا بين الدول، وفي كل مبادرة، ووراء كل هدية تجد كارثة إنسانية نحصد ثمارها اليوم، وعلى رأسها وعد بلفور وكانت هي الـ«خوتزبا الكبرى». الجرأة والوقاحة في التصرف في الأراضي الغالية، والتاريخ العريق، والثقافة التي لا يملكونها، علما بأنها لا تقل في أهميتها عما كانوا يملكون. وأصبح الوعد وصمة عار إنسانية، ونقطة سوداء في الضمير العالمي.

أمنيــــــة

يواجه العالم العربي اليوم أزمات رهيبة لم تمر علينا مسبقا، ولا حتى في أشد الكوابيس، أتمنى أن لا تكمن حلولها في مبادرات «خوتزبا» قد تضع العالمين الإسلامي والعربي في مسارات حرجة لن يعلم بعواقبها إلا الله

وهو من وراء القصد.