أتابع مثل غيري الحوارات الملتهبة والحادة بخصوص موضوع التجنيس في السعودية عموما، وتجنيس أبناء المواطنة السعودية تحديدا، وأرى وأقرأ وأسمع آراء مؤيدة لذلك تطرح أسبابها بناء على أطروحات حقوقية عملاً بما هو متبع في دول العالم المدني المتحضر الذي يمنح إقامة حرة لمن أقام في بلد ما سنوات محددة وهو حسن السير والسلوك، وبعد ذلك ينال جنسية البلد بشكل طبيعي وللمواطنة فيه نفس حقوق المواطن من ناحية منح الجنسية لأبنائها عملا بمبدأ المساواة والحق العادل في الفرص. عموما هذه المسألة تدخل ضمن منظومة حقوق الإنسان العالمية وسيتم التقيد بها عالميا كحق إنساني عام مثلما تم تحرير الرق ومنع الاتجار بالعبيد ذات يوم.

وهناك أصوات معارضة بطبيعة الحال ولهذه الأصوات أسبابها التي تتمحور من إدخال عنصر «غريب» على المجتمع، وصولا إلى أسباب اقتصادية، مرورا بعنصرية لا يمكن أبدا إغفالها ولا الدفاع عنها ولا التبرير لها.

ووسط هذا الحديث هناك ظاهرة متنامية لم تنل نفس القدر من الاهتمام والمداولة ولا التغطية الإعلامية إلا من خلال جلسة واحدة خجولة في مجلس الشورى، مع أن هذه المسألة لا تقل أهمية عن مسألة التجنيس.

وهذه الظاهرة التي نحن في صدد الحديث عنها هي ظاهرة هجرة السعوديين. هناك «جاليات» سعودية في المهجر، ولم تعد الهجرة مقتصرة على أهل بلاد الشام من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ولا مصر والسودان ولا أهل بلاد المغرب العربي من تونس والجزائر وليبيا ولا اليمن والعراق، ولكن هناك سعوديين يهاجرون لأسباب مختلفة.

فالجالية السعودية في مصر تجاوز عددها النصف مليون، وهناك مئتا ألف سعودي في الكويت وعشرات الآلاف في الأردن والبحرين والإمارات، وعدد في لبنان وأعداد في دول أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وأعداد فردية في جيوب مختلفة حول العالم من البرازيل، مرورا بالهند، وصولا إلى الصين وحتى جنوب أفريقيا.

جاليات لها استثماراتها ولها مدارسها ولها أسواقها ولها أحياؤها. لا بد من البدء في إيجاد إستراتيجية واضحة للتعامل معهم للإبقاء على خط الرجعة، وهي ظاهرة ليست جديدة في العرف المجتمعي السعودي، فكانت من قبل ظاهرة «أهل الزبير» في العراق والعقيلات الذين هاجروا وسكنوا في بلاد الشام.

من المهم وضع إستراتيجية استباقية مع أعداد متزايدة من المهاجرين السعوديين في الخارج للاستفادة منهم كقوى ناعمة توظف لخدمة البلاد والترويج الإيجابي لها كقوة ضغط ثقافي واجتماعي واقتصادي مع الدول التي يقيمون فيها، ومن المهم الاستفادة من رؤوس أموالهم لجذبها مجددا كما فعلت الحكومات الصينية والهندية والإندونيسية مع مواطنيها في الخارج، الذين كانوا أول أهداف حملات الجذب الاستثماري المكثف.

الهجرة السعودية إلى الخارج تنمو وتكبر، وأصبحت واقعاً «كبيراً» ولا يمكن إنكاره وإغفاله وعدم الاستفادة منه، وقد يبدو أنه من الضرورة البدء في إدراج «الهجرة» كفرع في مهام وزارة الخارجية ووزارة التجارة والاستثمار على سبيل المثال للتحضير العملي في التعامل مع واقع جديد.

السعودية تتغير على أكثر من صعيد، ومن ضمن التغيرات التي من المطلوب التعامل الجاد معها الجاليات السعودية المتزايدة في الخارج وتحويلها إلى عناصر دعم وقوى مساندة بدلا من عزلها.

* كاتب سعودي