وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون قال قبل أشهر معلقاً على قمم الرياض الثلاث التي شارك فيها زعماء كثر من دول عدّة شرق أوسطية وآسيوية وأفريقية إنها ستنهي ما يعتبرونه إهمالاً لمشاكلهم، كما أنها ستعزز جهودنا لردع إيران في اليمن وسورية وأن على إيران تفكيك شبكتها الإرهابية. كما صرحت الإدارة الأمريكية أن الاتفاقات الاقتصادية مع السعودية ستدعم أمن دول الخليج ضد تهديد إيران والإرهاب الإقليمي، وغير ذلك من تصريحات إيجابية كلها تصب وتجتمع في عنوان رئيسي وهو نهاية الإهمال لمشاكل المنطقة الأمنية والسياسية والتنموية والخروج من فكرة صراع الحضارات واستبدالها بفكرة تكامل الحضارات.

سنجد بعض أصحاب الأجندات الذين لا يريدون الخير للمنطقة يحاولون خلط الأوراق وتصوير العلاقات الأمريكية كأنها علاقات لمصلحة طرف واحد وليست علاقات تصب في مصلحة جميع الأطراف والمنطقة والتنمية والسلام والأمن. علاقة يحسدنا عليها الغير وشراكة لا تكون إلا بين الكبار، لهذا هم يرغبون ويريدون أن يسموها ويصفوها على غير حقيقتها، في حين أنهم يسارعون ويهرعون لإقامة علاقات مع جهات لا تقارن بالولايات المتحدة الأمريكية في سبيل تحقيق أجنداتهم المشبوهة، وقد شاهدنا موقفهم السلبي والتحريضي من تدخل أمريكا لصالح حلفائها لتحرير الكويت. والتشكيك في النوايا والقياس الخاطئ بين ما حدث في بداية عهد الرئيس أوباما عندما ألقى خطاباً مشجعاً وبين ما يحدث اليوم من تفاهمات وشراكات ومصالح مشتركة مبنية على المصالح المشتركة والإستراتيجية.

وقد أحسن الكاتب والمحلل السياسي حسين شبكشي عندما قال إن هذه العلاقة من الأهمية توضيحها لأنها مع حليف إستراتيجي كبير. فهذه علاقة يجب أن يعلن عنها لترسيخها وتطويرها، فتركيا مثلا لا تخفي علاقتها كعضو في الناتو.

والحقيقة أن إيران تعرف معنى هذه الشراكة الإستراتيجية وتعي أبعادها، ولكن غباءها السياسي وأيديولوجيتها قد يقف عائقاً في إدراك ما يجب تصحيحه. ما أقدمت عليه حكومة إيران من أول يوم لخروج الشاه يوضح مسارها الغريب الذي يحركه التعصب والكراهية وحب الانتقام وليس المصلحة والمنفعة وحساب الخسائر والأرباح فاقتحمت السفارة الأمريكية بدون أي مصلحة ودخلت في حروب ورعت وتبنت الإرهاب على حساب التنمية والسلم الاجتماعي لها حتى أصبحت مهددة من الداخل أكثر من الخارج.

لقد أثبتت الإدارة السعودية الشابة ممثلة في سمو ولي العهد ديناميكية السياسة السعودية وقدرتها الفائقة على ترتيب هذه الزيارة التاريخية لرئيس أمريكا لرحلته الأولى بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حتى أن وزير التجارة الأمريكي انبهر بهذا التنظيم والترتيب لهذا الحشد بسرعة فائقة وإخراجه بهذا المظهر الرائع الذي يثبت أن الإدارة الشابة قادرة على الإنجاز بالعزم والتخطيط منطلقة ومعتمدة على رؤية واضحة ومدروسة. وقد أشار الأكاديمي في جامعة برينستون الأمريكية برنارد هيكل لهذا الترتيب والإعداد الذي قام به الأمير محمد بن سلمان والعمل الدؤوب الذي بذله ولي العهد.

إن أمن المملكة العربية السعودية من أمن العالم الإسلامي والعالم العربي والعالم أجمع، وقد أثبتت الأحداث خطأ منهج الإدارات الأمريكية والأوروبية السابقة في توجهاتها المعروفة بالشرق الوسطي الكبير، حيث عانت الدول الأوْرَوبية من ويلات النازحين سواء من سورية أو العراق أو أفريقيا، وكذلك عانى العالم من الإرهاب والميليشيات التي ظهرت نتيجة الفراغ السياسي الذي أحدثته السياسات الخاطئة على مدى 20 عاماً، بالإضافة للمعاناة البشرية والخسائر الاقتصادية وغيرها من التبعات المرتبطة بالحروب والمآسي الإنسانية.

لقد ظلت السعودية في الماضي بعيدة عن القلاقل والفتن لما حباها الله من ثروات طبيعية وحاجة العالم للذهب الأسود الذي يعد شريانا أساسيا من شرايين الحياة، وعندما قلت الحاجة إلى البترول لوجود البدائل ظهرت الأخطار تلوح في الأفق، وكان لزامًا على السعودية أن تلجأ إلى قوتها الناعمة والاعتماد على المزايا النوعية المتميزة للاقتصاد السعودي والموقع الجغرافي الإستراتيجي والانفتاح على العالم والاستفادة من قوتها الاقتصادية المؤثرة لتعيد الاستقرار للمنطقة من خلال التنمية والتوطين والاتفاقات الاقتصادية والعسكرية والتنموية.

لقد أعادت السعودية الاستقرار للمنطقة بدخولها في هذه الشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية الَتِي تشكل نقلة نوعية في علاقة البلدين وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون والشراكات الإستراتيجية في تاريخ البلدين تتماهى في أهميتها مع الاتفاق الذي أبرمه المؤسس يرحمه الله مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الذي جاء انطلاقاً من رؤية الملك المؤسس بانحسار النفوذ البريطاني وظهور أمريكا كقوة عظمى.

واليوم ما نشاهده من حدث تاريخي يؤرخ لعلاقة جديدة بمعطياتها الحديثة قادرة على خلق ودعم الاستقرار في المنطقة، كما سيدعم أمن دول الخليج لصد التهديدات الإيرانية والإرهاب والمنظمات الإرهابية مثل حزب الله والحشد الشعبي والقاعدة وداعش وغيرهم، وتنهي مرحلة الإهمال لمشاكل ومقدرات المنطقة على وجه الخصوص والعالم الإسلامي على وجه العموم. والله من وراء القصد.

* مستشار قانوني