-A +A
جميل الذيابي
صحيح أن السعودية منشغلة بإطفاء حرائق المنطقة التي يشعلها أعداؤها لتحقيق مكاسب عدة، أبرزها النيل من السعودية، ومن مكانتها الريادية في العالم والمنطقتين العربية والإسلامية. وهي حرائق تتمدد، ويتزايد عدد مَنْ يلعبون فيها بالنار، حتى أضحت المنطقة تحاكي وضعها بُعيد الحربين العالميتين الأولى والثانية. ولكن في أتون هذا اللهب لا تهمل المملكة قضاياها الخاصة بالتحديث، وترقية الخدمات المقدمة إلى شعبها، وإصلاح المنظومة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، جاءت الأوامر الملكية التي أعلنت مساء (الإثنين) الماضي 26 فبراير 2018.

فأما ما كان من شأن مساعي الإطفاء، فقد كانت ولا تزال ملحمة سعودية كبرى، ثبت فيها تفوق الدبلوماسية السعودية، وحنكة ورؤية القيادة السعودية. ولم يكن أمام المملكة خيار غير بذل تلك الجهود الهائلة. فهي تواجه خصماً يريد أن يضيق الخناق عليها من كل ناحية. ولديها جارة لا هم لمشيختها سوى أن يستلوا خناجرهم ليطعنوا جارتهم الكبرى بخياناتهم ومؤامراتهم ودسائسهم. وإزاء ذلك، أقدمت السعودية على تشكيل التحالف العربي، وأعقبه التحالف العسكري الإسلامي. وتوجت المملكة تلك الجهود الجبارة بإبعاد إيران من السودان والقرن الأفريقي. كما نجحت في التقارب مع العراق الشقيق، وإعادته لوشائجه العربية الأصيلة. وسددت ضربات قاضية لإيران في البحرين ثم في اليمن. وفي الوقت نفسه ظلت تقوم بدور عملي فاعل في التحالف الدولي لتدمير «داعش».


وبالنسبة للشأن الداخلي، فإن الأوامر الملكية الأخيرة يمكن إلقاء الضوء عليها من ثلاث زوايا:

• تطوير وزارة الدفاع: فقد اعتمد أمر ملكي وثيقة تطوير وزارة الدفاع، بما تتضمنه من إستراتيجية لذلك التطوير، وإعادة هيكلة تحقق الحوكمة المطلوبة في هذه الجهة الحكومية الحيوية لأمن البلاد واستقرارها. وهو مشروع ظل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز يعمل عليه بدأب وصمت ودراسات مضنية منذ عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز. وتستطيع الوزارة في ظل إستراتيجية التطوير الجديدة الرد على التحديات التي تواجه المملكة والدول التي تشاركها في التحالفات المشار إليها.

• الاستثمار في الشباب: زجت الأوامر الملكية بعدد من الشباب في مواقع مهمة في منظومة العمل العام. وهو بلا شك ديدن سياسة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، منذ تولي خادم الحرمين الشريفين القيادة في 2015. ويمثل ذلك استثماراً صائباً وناجحاً للجيل الجديد من أبناء المملكة، لتحقيق الأولوية الوطنية. وستعزز القيادات الشابة الجديدة مساعي الملك وولي العهد لتطوير الخدمات الحكومية المقدمة للشعب، وتُواصلُ الحرب المعلنة على البيروقراطية التي تكاد تُقعد العمل الإداري عن تحقيق أهدافه. ومن دون شك أن الرهان على الشباب نظرة ثاقبة ستحقق مقاصدها في وطن يمثل الشباب أكثر من 70% من أبنائه وبناته.

• المزيد من التمكين للمرأة: وهو الدرس الذي يمكن استخلاصه من الأمر الملكي القاضي بتعيين تماضر الرماح نائباً لوزير العمل والتنمية الاجتماعية. ويأتي تعيينها تتويجاً لسلسلة من الأوامر والقرارات التي نقلت المرأة السعودية من واقع ظل جامداً على مدى عقود إلى رحاب القرن الـ 21. وقد شملت تلك النقلة تعيين المرأة بنسبة معتبرة في عضوية مجلس الشورى، وكذلك مشاركتها في المجالس البلدية ناخبة ومرشحة، والأمر الملكي القاضي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وتمكينها من إنجاز معاملاتها في الدوائر الحكومية دون موافقة ولي أمرها، وتمكين الأسرة من ارتياد الملاعب الرياضية... وها هي تُعيّن الآن نائبة وزير. ويعني ذلك أن الباب مفتوح أمام كل سعودية أثبتت قدرتها على العطاء والمشاركة في النهوض بأعباء تقدم وطنها. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وصف «وصفاً دقيقاً» في مقابلة مع «واشنطن بوست» الأمريكية الإصلاحات بأنها «جزء من العلاج بالصدمة» الذي يعد ضرورياً لتطوير الحياة في المملكة وهز البيروقراطية الحكومية، خصوصاً أن الاستطلاعات تؤكد أن 74% على الأقل متفائلون بشأن مستقبلهم وبالإصلاحات التي تقوم بها البلاد.

الأكيد أنها قرارات ملكية واثقة سمّت الأشياء بمسمياتها، وتمهِّد الطريق لتحقيق أبناء المملكة المزيد من الإنجازات، ومواصلة مسيرة التطوير والتحديث، وبناء دولة سعودية قوية قادرة على تجاوز التحديات. وهي في الواقع سلسلة مترابطة ومنظومة متكاملة تؤدي في نهاية المطاف إلى جعل أبناء الوطن أكثر قدرة على الذود عن ترابهم الوطني، وحماية المقدسات الإسلامية، وتأهيل الشباب لقيادة المستقبل، والحفاظ على بلادهم واحة استقرار وأمن على رغم أنوف مشعلي الحرائق والمتآمرين والمتاجرين بالقضايا كذباً وزوراً.