لعل أسوأ الأسرار كتمانا في السعودية هو أنه سيتم الإعلان عن إقامة دار للأوبرا، فالتسريبات والتصريحات متواصلة بطريقة أو بأخرى عن طريق المقاولين المعنيين بأعمال الإنشاءات أو من مسؤولين آخرين. منذ أيام تم الإعلان عن استعدادات السعودية لبناء أول دار أوبرا في مدينة جدة لتكون مركزا ثقافيا عالميا على أحدث المستويات المعمارية والتقنية.

ومن نافلة القول إن هذا خبر مفرح ومدهش في آن. والأوبرا فن عرفته أوروبا منذ القدم وانتشر فيها وتميزت به وأبدعت فيه إيطاليا تحديدا مع وجود بعض الإنتاجات المميزة واللافتة من كل من ألمانيا والنمسا وفرنسا على سبيل المثال.

ولكن الأوبرا ليست مجرد مبنى خرساني وتصميم معماري وإنما هي درة التاج في مشروع نهضة ثقافية متكاملة.

والأوبرا تعتبر تقليديا انصهاراً للفنون فهي تشمل المسرح والموسيقى والغناء بشكل مندمج، ويخطئ جدا من يعتقد بأن الأوبرا هي نموذج غربي فقط، ولكن الأوبرا لها نماذج أخرى مثل الصين الذي يعرف بالجيكو والياباني الذي يعرف بالكابوكي، وحتى لكوريا نموذجها هي الأخرى، ولكن يبقى الصيت والشهرة لروسيني وفيردي القمم الإيطالية وأهم مؤلفي الأوبرات العالمية الذائعة الصيت.

على مستوى العالم العربي كانت دار الأوبرا المصرية هي صاحبة الشهرة الأعظم، وهي التي أصابها حريق عظيم في النصف الأول من القرن الماضي وتم إعادة بنائها في موقع آخر بمنحة يابانية، وخليجيا هناك دور في عمان ودبي والكويت ولكن من المهم الإشارة أن هناك بعض الدول لديها حضور ثقافي لافت ومؤثر وفعال وهي ليس لديها دار أوبرا مثل المغرب والبحرين ولبنان على حساب الكويت والإمارت مثلا.

وبالتالي هناك ضرورة مهمة أن يتم التفريق بين الاستثمار في البناء أو الـHardware وبين الثقافة والبشر والعلوم أو الـSoftware فالأولى بدون الأخرى تكون مجرد تكملة إنشاءات تضاف إلى سلسلة ومجموعة أخرى من المباني لاستكمال الواجهة المناسبة ولكن بلا عمق ولا مضمون ثقافي.

ولقد تم الإقدام على إنتاج مجموعة غير بسيطة من الأوبريتات العربية اعتمادا على قصص من التراث العاطفي مثل «قيس وليلى» و«عنتر وعبلة» أو من الملاحم الشعبية والسير الوطنية مثل «سيرة أبو زيد الهلالي» وغير ذلك من القصص مع عدم إغفال المحاولات المتكررة بحق ملحمة جلجامش، ولكن لا يزال هناك غياب في تكريس هذا المشروع أكاديميا ومنذ البدايات المؤسسية المبكرة وبالتالي احترام الفنون والثقافات هي مسألة يتم التأسيس لها منذ الصغر إذا ما أردنا الاستفادة القصوى من هذا الإنجاز.

إنشاء دار للأوبرا مسألة مهمة في تاريخ التحدي الثقافي للدول وتأسيس علاقاتها بثقافات وحضارات العالم والشعوب والأمم، فهي منصة عظيمة لعرض الفنون بمختلف أشكالها، وهي وسيلة قياس دقيقة وحقيقية لمعرفة حالة السلام مع النفس التي تحققت بين هذه الدول مع بعضها وقبولها أن تكون جزءا من العالم بلا تطرف ولا عنصرية ولا فوقية.

أهلا بدار الأوبرا ولكن الأهم أن يكون الترحيب ببرامج ثقافية فيها احترام للآخر وتقدير لهم وحسن ظن فيهم وبذلك تكون الثقافة وسيلة رقي ورسالة سلام كما ينبغي لها أن تكون. الكل بالانتظار.