يتحدثون عن التدريب منذ عقود ويعافرون لاستحداث مُخْرَجات تليق بسوق العمل الذي عانى من اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجاته على أرض الواقع.

اجتهد الكثيرون على مدى سنوات عدة لإنقاذ التدريب من معضلته، فأتت فكرة كليات التميز كخطة موازية لاستحداث مخرج أكثر كفاءة يواكب احتياجات سوق العمل فنجحت من هذه الكليات ما نجحت وتعثرت ما تعثرت، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل البديل الموازي هو الحل؟ وإلى متى تبقى الأنظمة التي طال عليها الزمن هي الشوكة في حنجرة كل من يفكر في دخول هذه المغامرة سواء كان حكوميا أو أهليا؟ مغامرة الاستثمار في قطاع التدريب المهني في المملكة؟

رغم أني واحدة ممن آمنوا وما زلت أؤمن بأن التدريب هو نواة التغيير في عجلة التنمية لكونه يجابه التحديات ويتعاطى مع احتياجات السوق بديناميكية مباشرة بدون وسيط، ويتغير وفق معطيات السوق وحاجاته بمحتواه المحلي ليمكن الشعوب من تحقيق أحلامها وتحسين أحوالها.. فالتدريب مفاهيمياً وجد لتعزيز ورفع الأداء من خلال استهداف الجوانب المعرفية والمهارية والسلوكية والوجدانية بطريقة منظمة وهادفة يخطط لتنفيذها بمنهجية تحقيق الأهداف المرجوة.

ولكل مهنة تحدياتها، ولكن من أبرز التحديات التي يواجهها التدريب الأهلي في المملكة العربية السعودية هي غياب الأهداف المتعلقة بالمتغيرات والمستجدات ومواكبة التقنيات، فنجد أن الكثير من المؤسسات التدريبية تتساهل في تجربة المنهج التدريبي قبل تعميمه، والتأكد من إيجابية هذا البرنامج وتعديل ما عليه من ملاحظات، فتصبح الكثير من البرامج غير متفقة مع الاحتياج الفعلي للسوق خاصة بعد انضمام المملكة للجات في ٢٠١٤م، فقد أصبح من الملح اليوم أن تتوافق مجالات التدريب مع كل نشاط اقتصادي وتقني سواءً كان محلياً أو عالمياً، وإلا سنجد أنفسنا مجتمعاً عزل نفسه بنفسه عن العالم المتحضر.

ما نقوم به الآن هو لملمة ماهو مبعثر لننفضه ليتبعثر ثانيةً.. فلدينا نواتج تدريب مهلهلةً رفضها القطاع الخاص ولدينا أنظمة تناقض بعضها، تعمل بطريقة غير مباشرة، لتكبيل وتعطيل أي استثمار جاد في قطاع التدريب الأهلي، هذا المستثمر الذي يخدم القطاع الخاص مباشرة، والجميع يعلم بأن القطاع الخاص هو المحك في قياس كفاءة الأفراد ومدى إنتاجيتهم؛ لأن رأس المال لن يجامل بتوظيف من لا يملك كفاءة.

هناك فرق بين النتيجة (result) والمُخْرَج (outcome) في التدريب، النتيجة تركز على قياس تحقق المهارات والمعارف والاتجاهات لدى المشارك عبر اختبارات ومقاييس مقننة يمكننا بعدها القول إنه اجتاز البرنامج التدريبي، بينما المخرج بشكل عام يركز على مدى مساهمة هذا البرنامج التدريبي في تحسين نوعية الحياة للمشارك في التدريب، وأثر البرنامج على نمو شخصية الفرد وتوافقه مع من حوله وقدرته على الإنجاز والمنافسة في المجالات المختلفة، ولذا لا بد أن يكون المخرج هو الأولوية لدى القطاع الخاص والتدريب الأهلي ليتمكن من التجدد والمنافسة.

وعلى مدى 40 عاماً ظل التدريب لدينا يركز على النتيجة وليس المخرج! ما زال يدور في فلك أولويات أصبحت بديهية لكل من يعيش تحديات العصر وتحديات ٢٠٣٠.

والمعضلة الأكبر لدينا أن المُشرِّع والضابط والمشغِّل هو واحد لسوق التدريب. فكيف يكون المشرع منافساً يزاحم مقدم الخدمة؟ منافساً يفرض شروطه المتقادمة التي تطبق على الجميع بلا تمييز بين مجتهد وتقليدي؟

أختم قولي إن الوجه المنير والمطمئن لحال التدريب اليوم هو أننا نعيش حقبة سعودية لن ترحم البليد المتحجر سواء كان بليداً من خلف مكتب يرمي سهامه بصمت، أو متحجراً بفكر يرفض التغيير، أو تاجراً أتى مهرولاً بشنطة ليسرق مستقبل وطن... فقد جاء الرقيب.

WwaaffaaA@