لكل عصر رموزه ونجومه ومشاهيره، والمتصالح مع الواقع لا يدخل في أزمات وصراعات تنعكس عليه نفسياً وصحياً، فإما أن تواكب وتنسجم وتتفاعل، أو تخلق لك فضاءات خاصة مع من تحب وتستأنس به، أو تختار العزلة، وتعيش على الذكريات واجترار الماضي.

عندما وعيتُ على الحياة كان في بيتنا مذياع، كانت «صوت العرب» وجبة يومية كنا نتابع ابتهالات الفجر تنطلق من أعذب الحناجر ما عزز الروحانيات، وبرامج بصراحة لمحمد حسنين هيكل، وحديث الأربعاء لطه حسين، وسهرة الأسبوع مع سيدة الطرب أم كلثوم.

في عصر الصورة دخل التلفزيون بيوتنا فعرفنا محمد حسين زيدان، وعلي الطنطاوي، وغازي القصيبي، وحمد الجاسر، وعبدالله بن خميس، وكنت مغرماً برحلة الكلمة للأستاذ حمد القاضي، والكلمة تدق ساعة لمحمد رضا نصرالله.

كانت أوزان مشاهير الستينات والسبعينات والثمانينات ثقيلة، ولذا أشعر كما يشعر جيلي بأن عضلات الوعي والالتزام تكاد تضاهي أولئك النجوم قولاً وفعلاً، بل غدا حس الانتماء للقيم والوطن والعروبة ركنا أصيلا في الشخصية المثقفة أو القارئة.

عالم اليوم لم يعد يحتمل تلك الفلسفة والنظريات المعرفية والتقعر اللغوي، ولن يتفهم ما نحن عليه من يتمسك برؤية نقدية تقليدية، فإذا كنا في طفولتنا نندهش من خيال صانع أفلام الكارتون، فنحن اليوم نعيش مع جيل أشبه ما يكون بفانتازيا.

التغيير في عهد أجيال ما قبل الميديا بطيء جداً، وحذر وربما ينفتح قليلا كل عشرة أعوام، وجيل اليوم تتغير ثقافته بالساعة، إن لم يكن بالدقائق، ومن يصف ما نراه ونسمعه بالتسطيح، وينعت الرموز الجديدة بالفارغة، لا يعدو أن يكون حاسداً وغيورا.

أتصور أن جيل اليوم لن يحتاج إلى صحوي ليؤدلجه، ولا إلى حداثي ليحرره، فهو جيل مبرمج بالتقنية التي يحملها وتحمله، بالطبع بعض التقنية يمكن أن يحقق العولمة أو بلوغ أعلى مراتب الامتداد الكوني، إلا أنه خال من الأنسنة، والقيم التي يقوم عليها استهلاكية ومادية بحتة.

من حق الشبان والفتيات في عهد الميديا أن يحلقوا نجوماً ومشاهير، شعراء، وكتابا، وقصاصا، وروائيين، ومطربين، ومن لياقته عالية من جيلي وأجيال سبقت فليلحق بالركب، وهذا ما فعله بعض المهرة، لإيمانهم أن زمن الميديا زمن تحليق، وفي الأثر «اللهم ارحم المحلّقين».