بين يوم وآخر يطل أحدهم برأي لا يعكس حقيقة ولا يبحث عنها بقدر ما تشغله توافه الأمور على مواقع التواصل الافتراضي، بين إفراط وتفريط وكلاهما ليس من الدين ولا من العقل في شيء ولا فيه حكمة ولا نفع، وما بالنا بجهلاء، وهذا ليس قدحا إنما دعوة لكل من يرى نفسه فقط في مهاترات لا يجيد سواها عبر تلك المواقع التي أصبحت في كثير من صفحاتها كغثاء السيل من المتداولين لها بحماقة، وهل في الحياة من علل أعيت من يداويها كالحماقة؟! وما أكثر حماقات فساد الرأي بين غلو أعمى وتفريط وكلاهما مخل بالاستقامة.

الأصل في الأشياء هو تعليم ديننا الحنيف الوسطية لثراء تعاليمه وقيمه ونبل المقاصد بالتقوى ومحاسبة النفس الأمارة بالسوء، وتجنب عثرة اللسان لأنها الأخطر، قال تعالى (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) وكما قيل «ليس شيء أطيب من اللسان والقلب إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا» وها هي مواقع التواصل تطفح بما يهلك روح الترابط والاحترام بألفاظ قبيحة وسب وتبجح بمشاهد معصية تغضب المجتمع وتشغله.

إذا كنا ندين بالإسلام الوسطي، وكله خير لحفظ العقل والجوارح ويحرم الغيبة والنميمة والكذب والإيذاء، وإذا كان لدينا موروثنا الأصيل من القيم، وإذا كان لدينا التعليم مقرونا بالتربية أو هكذا يفترض، فكيف يسلّم البعض نفسه لهواه ويطلق العنان لآفات تهدم في نفس صاحبها قبل غيره.

فلتات عجيبة وفلتان أخلاقي من البعض يخرجهم من عقال القيم العامة والخاصة فنجد مشاهد مصورة يندى لها الجبين، وآراء يهرف بها من لا يعرف ولا يحرص على أن يعرف الحقيقة ويخوض مع الخائضين، وجدنا ذلك تجاه عمل المرأة ومن يدعو بتقليص بناء المساجد ومنع ميكروفوناتها، ومن يخوض في أعراض وسمعة الناس دون رادع من ضمير، ومن يقلل من جهود الدولة دون وعي، أمثال هؤلاء من يتسترون خلف هواتفهم وحواسيبهم، ويلقي كل منهم بكلمات ومشاهد مستهترة، ملوثة بإساءات وفتن تسري كالنار في الهشيم، وقد عشنا عقودا وعاش آباؤنا وأجدادنا في وئام مجتمعي ومحبة عندما كان للكلمة قدرها وللمشاعر كرامتها، واليوم البعض يهدي سلاحا مجانيا لخبثاء وأعداء وحاقدين ومدفوعين، يدركون أن ضعف القيم وفساد الرأي وانحراف الكلمة هي بوابة الشقاق والمفسدة الأخطر على أي مجتمع.

التهاون مع الخطأ أمر خطير ويحتاج لجهد غير عادي من الناس أولا ومن الجهات المعنية، والحمد لله نرى عقابا لحالات أساءت لقيم المجتمع، لكن الأهم هو الوعي العام، ومع الوقت سيدرك الذين في نفوسهم جهل ومرض وغرض أن صواب الرأي ورقي السلوك في الحياة وفي العالم الافتراضي هو أمر محمود لا يتجزأ، وهذا ما يجب أن نركز عليه في هذا الزمن الصعب على التربية، ودائما البداية من الأسرة ومن ثم الإطار الأوسع عبر التعليم والمسجد وأيضا المسؤولية الأكبر على الإعلام عبر وسائله المختلفة التقليدية منها والإلكترونية، وهي المصادر الموثوقة للمعلومة والرأي الهادف في المقالات تجاه القيم والشأن العام، فما أحوج مجتمعنا لصوت العقل والضمير الوطني الذي يدعو الجميع إلى الغيرة على كل ثوابت هذا الوطن وقيمه ومكتسباته وعزم مسيرته.