ياسين أحمد (لندن)

* قبل 27 عاما.. القيادة السعودية تحذر من تدخلات إيرانية في عراق «غير مستقر»

* الملك فهد كان يعمل حتى وقت متأخر ليلاً لحرصه على ضمان أمن بلاده

* التاريخ يثبت حرص القيادات السعودية المتعاقبة على استقرار العراق.. بدءاً بالملك فهد حتى الملك سلمان

* تأخر الملك فهد لارتباطاته فجلس ميجور يتجاذب الحديث مع هشام ناظر ريثما يصل الملك

* أعداء السعودية بالأمس لا يزالون يناصبونها العداء اليوم.. كوربن أنموذجاً



تشير الوثائق البريطانية، التي نزعت منها صفة السرية نهاية العام 2017، بعد 30 عاماً من بقائها طي الكتمان، إلى أن رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور، الذي أنعمت عليه الملكة اليزابيث بوسام يخوله حمل لقب «سيد»، قرر القيام بزيارة لتفقد القوات البريطانية في الكويت والظهران، في ذروة الأزمة التي أثارها غزو الرئيس الراحل صدام حسين الكويت في أغسطس 1990. لكنه أبلغ مساعديه هناك بأنه لا يمكن أن يزور المنطقة دون أن يزور العاهل السعودي الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، وخلال لقائهما في الرياض، في 6 مارس 1991، توجه الملك فهد بالشكر لرئيس الوزراء البريطاني لتعاونه مع جهود تحرير الكويت. ورد ميجور بأنه يود أن يعرب عن امتنانه للسعودية على دورها الأساسي والفاعل في الأزمة، وأكد الزعيمان رغبتهما في استمرار نمو العلاقات السعودية ــ البريطانية.

كانت العلاقات تمر ــ آنذاك ــ بمرحلة جديدة يلعب الدفاع والتعاون العسكري دوراً في تعزيز تكاملها. وكانت تقوم في ما مضى على التبادل التجاري. وكانت بريطانيا والدول الغربية تعلق آمالا كبيرة على الدور السعودي الرائد في العالم العربي والإسلامي، لمواجهة عناصر التطرف في المنطقة، ومساندة الاعتدال.

والواقع أن حرب الخليج، أو حرب تحرير الكويت، أظهرت كيف يمكن أن تكون الحرب مفيدة من نواحٍ عدة. وقد أدى استمرار نمو التعاون الدفاعي بين بريطانيا والسعودية إلى وقوف لندن مع الرياض ضد التهديدات العسكرية والأمنية الخارجية.

ومما قد يعرض للمرء وهو يغوص في أضابير وثائق الحكومة البريطانية التي تحتفظ بها دار الوثائق في ضاحية كيو غاردنز، التي توجد بها أشهر حديقة نباتية في العالم، أن أعداء السعودية الحاليين هم أعداؤها بالأمس! لنأخذ على سبيل المثال، وليس حصريا، الزعيم الحالي لحزب العمال المعارض جيرمي كوربن، فقد عارض، ولمّا يكن سوى نائب عمالي لا يتولى أي مسؤولية، تأييد بريطانيا للولايات المتحدة حين أعلنت في 14 نوفمبر 1990، أنها قررت استخدام القوة ضد صدام حسين. وندد كوربن بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 678 الذي صدر في 5 ديسمبر 1990، ويدعو لحماية الكويت من صدام حسين. وأدلى كوربن بتصريح في اليوم نفسه يعارض أي مواجهة مع قوات صدام. وفي 17 يناير 1991 تحدث كوربن مجددا عن معارضته استخدام القوة ضد العراق. وفي 12 يونيو 1991 شجب كوربن الاحتفال بالنصر في حرب الخليج. لم يكتف الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، بتوجيه الشكر للقوات والقيادات البريطانية، بل أعرب لرئيس الحكومة ميجور عن شكره وتقديره لرئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر، وأعضاء مجلس العموم (البرلمان) البريطاني. وبدا واضحا أن الدفء الذي لقيه ميجور من الملك فهد خلال لقائهما الأول دفعه للمرور على الملك بعد تفقده استعدادات القوات البريطانية في الخليج.

كان المحافظون يحكمون بريطانيا ــ آنذاك ــ على مدى 12 عاما. ولم تخل فترة حكمهم من صعوبات داخلية، خصوصا بسبب إجراءات تقشفية صارمة اتخذتها رئيسة الوزراء تاتشر لتحديث اقتصاد البلاد، ما أدى إلى احتجاجات واضطرابات، حتى أن استطلاعا للرأي تكهن بفوز سهل لحزب العمال المعارض في انتخابات العام 1992. بيد أن نجاح برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي قادته تاتشر، وانعكاساته على التضخم، والضرائب وأسعار السلع الاستهلاكية، حمل الناخبين على إعادة المحافظين بفوز ساحق.

كان الملك فهد مشغولاً بتجهيز الترتيبات الأمنية للقوات الخليجية والمصرية والسورية التي شاركت في الحرب. وبدا ميجور سعيداً بانتظار الملك؛ إذ جلس يتبادل أطراف الحديث مع وزير البترول والثروة المعدنية هشام ناظر (رحمه الله) إلى حين وصول الملك فهد. ولم يرد شيء في الوثائق البريطانية عن انزعاج رئيس الوزراء من تأخر الملك، الذي كان رغم كبر سنه يعمل حتى وقت متأخر من الليل، ويشارك في التزامات عدة لضمان أمن المملكة في تلك الظروف المضطربة.

لمس ميجور بنفسه قوة حاسة الملك فهد في التنبؤ بمآلات الأمور؛ فعلى رغم أن احتلال الكويت وتهديدات صدام حسين كانت تتصدر القضايا المثيرة للقلق السعودي، إلا أن الملك فهد حذر من احتمال تدخلات إيرانية في العراق إذا لم يكن العراق مستقراً، ومن مخاوف أن يصبح اتباع النهج الإيراني في العراق طابوراً خامساً ضد الدولة العراقية. والواقع أن ضرورة استقرار العراق ظلت هاجس القيادة والسياسات السعودية منذ وقت مبكر. ومع أن قادة العراق، خصوصا صدام حسين ونوري المالكي لم تكن تصرفاتهما مع السعودية ودية، إلا أن ملوك السعودية فرقوا على الدوام بين الشعب العراقي والقيادة العراقية التي تتحدى الأمن الإقليمي. ولعل التاريخ من هذا الركن الهادئ في الأرشيف الحكومي البريطاني يستدعي الحاضر، يجعل فهمه سهلاً؛ فمنذ أشهر زار رجل الدين العراقي مقتدى الصدر السعودية؛ إذ التقى ولي العهد محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في جدة، في لفتة تؤكد حرص القيادة السعودية على العراق، ورغبتها في استقرار إقليمي، والحد من الطائفية التي تستغلها إيران دوما للتدخل الخبيث في شؤون الدول العربية. وطبقا للوثائق المفرج عنها حديثا، فإن الملك فهد أبلغ ميجور في عام 1991 بأن صدام حسين لم يفعل شيئا للشعب العراقي سوى تعريضه للمخاطر من جراء سياساته التوسعية المجنونة. وقال العاهل السعودي الراحل لرئيس الحكومة البريطانية إن لندن يجب أن تكبح محاولات التدخل الإيراني، ومساعي طهران لاستغلال ظروف العراق في تلك اللحظة المفصلية في تاريخه. ووعد ميجور بأن تكون ملاحظات الملك فهد على جدول اجتماعه حين يلتقي الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) خلال الأسبوع التالي. وأوفى الغربيون بالتزامهم بالنصح السعودي؛ إذ لم توجه أية دعوة إلى إيران للمشاركة في التحالف الدولي ضد صدام حسين. ولو ارتكب الغربيون ذلك الخطأ بضم طهران للتحالف الدولي، فإنهم كانوا سيضفون شرعية على الدور التخريبي الإيراني في المنطقة. وأبلغ الملك فهد ضيفه ميجور بالموقف الذي لا يزال يشكل أساساً لمنطلقات السياسة الخارجية للمملكة؛ إذ قال له الملك فهد إن الموقف المبدئي للسعودية أنها ليست لديها مشكلة في إقامه صداقة مع إيران، وأن مفاوضات جرت بين الرياض وطهران خلال الثمانينات بشأن ترتيبات حجاج إيران، ولكن الملك فهد قال إن السعودية لن تقبل تدخلات إيران في شؤون المنطقة، ولن تغمض أعينها إزاء ذلك. وأضاف أن ما يصدر عن ملالي إيران يضر بوحدة المسلمين، وأن تصدير الثورة الإيرانية يجعل الإسلام سلاحاً ملائماً للسياسة التوسعية الإيرانية.

أعرب ميجور عن تقديره وإعجابه بجهود الملك فهد لتسهيل مهمة القوات المتحالفة من أجل تحرير الكويت. ولاحظ ميجور أن الملك فهد ـ على رغم تأخر الوقت وتعدد التزاماته، والظروف الضاغطة المحيطة ببلاده - بقي على نباهته وحكمته. فقد أبدى لرئيس الوزراء تشكيكه في أية قيمة إستراتيجية لاختيار رئيس دولة بعينه لقيادة التحالف الدولي. ولم تذكر الوثائق البريطانية مزيداً من التفاصيل. غير أن متابعي الشأن الخليجي يرون أن السعودية وحلفاءها كانوا حريصين على كسب ود الرأي العام العالمي لضمان النصر في الحرب على صدام حسين، وأن المدخل الأنسب لذلك أن ينظر لعملية تحرير الكويت باعتبارها جهداً دولياً وليس تحقيقاً لمصلحة السعودية أو الكويت وحدهما. وقد أثبتت أزمة احتلال الكويت أن العاهل السعودي الراحل الملك فهد لديه تقديرات صائبة، ويحسب توقعاته حساباً دقيقاً. فقد أشارت وثائق الأرشيف الحكومي البريطاني التي انفردت «عكاظ» بترجمتها ونشرها مطلع العام 2017 إلى أنه تنبأ بأن الرئيسين اليمني علي عبدالله صالح والفلسطيني ياسر عرفات والعاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال سيستسلمون للواقع في نهاية المطاف، على رغم تصريحاتهم النارية المناوئة للحرب ضد نظام صدام حسين. وكان الملك فهد يدرك من الوهلة الأولى أن صدام لن يستطيع التشبث بالكويت، وأنه سيتم إجباره على الانسحاب؛ لأن الاتحاد السوفيتي الذي يزوده بالأسلحة والمشورة ويقدم له المساعدات الإستراتيجية كان على وشك الانهيار، ولم تعد الدولة العظمى سابقاً قادرة على خوض لعبة الهيمنة الإقليمية، بعدما تحطمت أحلامها في أفغانستان كلياً.

وتنبأ الملك فهد بأن أيام صدام حسين ستكون معدودة إذا ظل يتصرف بتلك الطريقة. وهو تماماً ما تحقق بعد 12 عاماً بالغزو الأمريكي البريطاني للعراق، واحتلاله، والإطاحة بصدام، ثم القبض عليه بشكل مهين، وإعدامه في نهاية المطاف. وأشار الملك فهد، في حديثه لرئيس الوزراء ميجور، إلى أن صدام يائس جداً، بدليل أنه أرسل وزير خارجيته إلى إيران لإقناع نظام الخميني بمناصرة بغداد. وكانت إيران في الوقت نفسه تناصر شيعة الجنوب العراقي للثورة على نظام صدام، خصوصاً في البصرة. وفي ما يتعلق بإعادة وإعمار العراق بعد الحرب، اقترح الملك فهد تكوين حكومة وحدة وطنية غير انفصالية في بغداد. وبكل أسف ما حدث في العراق ما بعد صدام أن جهات عدة استعجلت تطبيق الديموقراطية التي انتهت بتسليط الغالبية الطائفية على الحكم، وضمان هيمنة إيران على الشأن العراقي.

واستغل الملك فهد فرصة اللقاء برئيس الوزراء البريطاني ليتقصَّى منه سياسات الاتحاد السوفيتي في تلك الظروف المائجة. وعرف من ميجور أن الرئيس ميخائيل غورباتشوف - وهو آخر رئيس للاتحاد السوفيتي قبيل انهياره ـ يعارض تسليح دول الشرق الأوسط بأي أسلحة غير تقليدية، باستثناء ما يكفى لسد حاجاتها للدفاع عن نفسها. ولفت الملك فهد ضيفه إلى أن ثمة فرقاً لا يخفى بين مساعي السعودية ودول الخليج الأخرى لحشد طاقاتها للدفاع عن نفسها، وبين تدجيج إيران والعراق جيشيهما بالسلاح بغرض الهجوم على دول أخرى. وأعرب العاهل الراحل عن رغبة بلاده في أن تكون المنطقة خالية من الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية.

وأثنى الملك فهد، رحمه الله، على القوات البريطانية، التي قال إنه يتوقع أن يكون أداؤها في حرب تحرير الكويت جيدا جدا، ما سيغير مفاهيم الرافضين وجودها في الخليج. ورد عليه ميجور بأن حكومته مستعدة لتدريب القوات السعودية. وزاد أن بريطانيا راغبة أيضا في المساعدة ضمن جهود إزالة التلوث البيئي الذي سينجم عن حرب الخليج.