الأسد ليس هو الحيوان الأذكى، فهناك من هو أذكى منه كالقرد (مع حفظ الألقاب)، ولا هو الحيوان الأضخم، فالفيل أضخم منه، ولا هو الحيوان الأكثر افتراسا للطرائد، فاللبؤة من يقوم بهذا الدور غالبا نيابة عنه، فما الذي جعل الأسد يتبوأ سدة هذا المنصب العام (ملك الغابة) إذن ؟

يجيب عالم الإدارة الشهير «هاريسون مانارت» بأن للأسد عرفا مثيرا للإعجاب وزئيرا يدعو إلى الهيبة وأن أكثر ما يميز الأسد عن غيره من الحيوانات هو درجة الانسجام بين قواه الفطرية وسلوكياته في الغابة، ومثل هذه القوى التفاعلية هي التي جعلت منه ملك الغابة بلا منازع !

التقطت العبارة الأخيرة وسحبتها على بعض من يشغلون بعض المناصب العامة ويديرون دفة أجهزة خدمية هامة ذات علاقة بالجمهور والذين يفترض أن يحملوا الحد الأدنى من كاريزما الوظيفة ومتطلباتها والتفاعل مع الناس والتي لا تغني الدرجة العلمية عنها، خصوصا وأنت ترى شخصيات تقود هذه المرافق، لكنها لا تحمل عرف الأسد ولا تجيد زئيره، فضلا عن عدم توفر بعض الخصائص المعيارية التي ذكرها «هاريسون» في كتابه «اكزيكيتف بريزيديدنت» لتحقيق أهداف شغل الوظيفة الجماهيرية، خلاف أن القوى التفاعلية بين طبيعة المنصب المذكور وخصائص صاحبه قد تكون في أدنى معدلاتها وهي مسائل رغم كونها غاية في الأهمية لنجاح هذه المهام الوظيفية إلا أن ليس لها وزن يذكر في الثقافة الإدارية المتداولة، وربما آخر اهتماماتنا في أدبيات شغل الوظيفية العامة !

في المنطقة العربية، والدول النامية عموما، ما يزال المنصب العام «جائزة كبرى» فيما البعيدون عن حلبة الصراع على الكراسي ربما الأكثر كفاءة والأعلى كعبا في صعود سلم النجاح، وبالتالي فنحن نحتاج إلى مرصد وطني في الإدارة العامة لتنمية القيادات الوظيفية وإظهارها و«تلميع» من يحققون إنجازات وطنية غير عادية، خصوصا وأن كلا من القطاع العام والخاص يعانيان أحيانا من ضعف واضح في شغل بعض المناصب، ليس لنقص في الكوادر الوطنية وإنما لسطوة الجانب الاجتماعي على الجانب الإداري.