في ظل التنافس الدولي في سورية، تبقى الحقيقة التي لا يريد أن يقبلها كثيرون أن الأكراد - وهم أكبر أقلية عرقية في العالم لا تملك دولة - لم تثنهم مؤامرات «الاستكراد» على مر العقود عن أن يصبحوا أهم اللاعبين في مسعاهم الرامي لتشييع اتفاق سايكس-بيكو. حتى أصبح يقال إنهم القوة (تتواجد في إيران، العراق، سورية وإيران)، هي التي تضع الأجندة، وتتحدى الحكومات، إلى درجة أن المراقبين يَرَوْن أنه لم تعد دولة تقاوم الكرد سوى تركيا، بعد الظروف التي حلت بالعراق ثم سورية، وصولاً إلى تمدد حركة الشارع ضد ملالي إيران.

واللاعبون في سورية حالياً هم:

• الولايات المتحدة: صحيح أنها ليست موجودة في سورية بنفس مستوى الوجود العسكري الروسي أو الإيراني أو التركي. لكنها حاضرة عبر أكراد شمال سورية.

ولكي تعزز واشنطن نفوذها عمدت إلى الاستثمار في أكراد سورية.

وقد قال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إن بلاده قررت البقاء في سورية ولكن كـ «قوة استقرار»، فيما قال وزير الخارجية ريكس تيلرسون إن أمريكا ستستمر في وجودها على الأراضي السورية لمنع إيران ووكلائها ميليشيات «حزب الله» والحرس الثوري والفاطميين وقوات نظام بشار من استرداد أرض «تم تحريرها بمساعدة الولايات المتحدة». ماذا يعني ذلك؟

إنه يعني أن الحماية الأمريكية لأكراد سورية وجدت لتبقى، وأن واشنطن ستواجه النفوذ الروسي في سورية بالسيطرة على المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات. وأنها ستستخدم القوات والسكان الأكراد ورقةً رابحةً في أية مفاوضات جادة لتحديد مستقبل سورية.

• روسيا: «زواج مصلحة» بامتياز هو الذي يعزز التحالف الراهن بين روسيا وتركيا، بعدما كانت العلاقات بينهما توشك على الانقطاع. وبلغ هذا الزواج شهر العسل بسماح روسيا «غير المعلن» لتركيا بتنفيذ هجومها على عفرين، إذ إن سلاح الجو الروسي هو الذي يحكم أجواء شمال غربي سورية. ذلك أن روسيا تريد بقاء تحالفها الجديد مع تركيا وإيران، أملاً بأن يكون «مسار سوتشي» هو الطريق إلى إحلال السلام في سورية، بينما تتمسك واشنطن بأن أي سلام يجب أن يتم عبر محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة.

كما أن الرئيس فلاديمير بوتين غير مستعد لأي أزمات يمكن أن تؤثر في إعادة انتخابه رئيساً لبلاده، في الانتخابات الرئاسية في 18 مارس القادم. وهو بالطبع لا يريد أية مفاجآت غير سارة لتلطيخ صورة روسيا باعتبارها قوة عظمى تعافت لتحطم نمطية القطب الأوحد: أمريكا. ومن الجدير الإشارة إلى أن بوتين يتبع استراتيجية ذكية لاستخدام أردوغان لشق منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من الداخل، ولذلك فهو يغض الطرف عن المغامرة التركية في عفرين ما دامت ستقتصر على هذا الجيب السوري الصغير.

أيضاً، لا بد من ذكر ألاّ معركة تجري في الجبهة الجنوبية (درعا) دون علم إسرائيل، وهي نقطة التقاء الروس والأمريكان.

• تركيا: يسعى أردوغان بكل ما يسعه من موارد إلى اللعب بجانب الولايات المتحدة وروسيا والمشاركة بصياغة مستقبل سورية، خصوصاً وهو يرى هزيمة «داعش». ولذلك يتمسك بالمشاركة في أية مفاوضات بشأن سورية ليضمن منع قيام أي كيان في المناطق الكردية. ومن المفيد ذكره أن تركيا تخشى أن الكرد البالغ تعدادهم 10 ملايين نسمة، في مناطق جنوب شرق البلاد، قد يكونون جزءاً من «الدولة الكردية الكبرى».

كما أن أردوغان يريد ممراً شمال نهر الفرات لإرغام اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم من تركيا. والأهم من ذلك كله أن أردوغان لا يريد بأي شكل أن يخسر الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 2019، التي مهد لنفسه صلاحيات موسعة غير مسبوقة من خلال استفتاء أجري في عام 2016. ولعله يدرك أن خسارته لانتخابات 2019 ستكون لمصلحة خصومه الذين يحملهم مسؤولية محاولة الانقلاب على نظامه، والذين عمل على تطهير البلاد منهم والزج بهم وراء الزنازين.

ومن يقلبون صفحات التاريخ يدركون أنه مهما كان حجم المكاسب التي قد يجنيها أردوغان، فهو لن يوقف تطلعات الأكراد. وتلك هي حصيلة عشرات العمليات العسكرية التي شنتها تركيا خلال العقود الثلاثة الماضية عبر الحدود العراقية والسورية. وليس هناك ما يشي بأن عملية «غصن الزيتون» في عفرين ستكون مختلفة عما سبقها.

• إيران: تلتقي إيران مع تركيا في رغبتها الجامحة في قمع التطلعات الكردية لقيام كيان كردي مستقل، وإن يكن تحت ستار حكم ذاتي أو إدارة فيديرالية. لكنَّ إيران لديها مرامٍ أخبث وأكبر من مجرد قمع الأكراد: إنها تريد ابتلاع سورية كلها إضافة إلى العراق ولبنان!

إيران تريد ممراً برياً مفتوحاً من طهران عبر العراق وسورية إلى البحر الأبيض المتوسط. وتريد أن تضم سورية إلى دائرة نفوذها بعدما هيمنت في العراق ولبنان وغزة. وتنطلق بعد ذلك لتدمير مصر ودول الخليج لتكتمل لها منظومة الهيمنة على العالم العربي. لكن مخططاتها في سورية تواجه عقباتٍ حقيقيةً خطيرةً، إذ لم يكن في حسبانها أن روسيا ستنقل جيوشها وطائراتها الحربية إلى سورية. كما أن إسرائيل تترصد لها. فضلاً عن أن الولايات المتحدة لن تتهاون في مواجهة النفوذ الإيراني في أية تجاوزات على أمن الخليج. والأهم أن السعودية تقف لها وتواجهها وتتحداها بقوة سياسياً وأمنياً وجغرافياً.

إذا كانت ثمة دروس ينبغي أن تُستوحى من التاريخ، فإن الضرورات السياسية، وحتمية توسيع النفوذ أضحت تبرر الارتماء في أحضان تحالفات «صعبة»، كما هو تحالف المصلحة الروسي الإيراني التركي، وتحالف تركيا مع جبهة تحرير الشام (النصرة) لضرب الأكراد، وتحالف أمريكا مع أكراد سورية سعياً إلى حماية مناطقهم وهي التي رفضت نتيجة استفتاء كردستان العراق بدعوى أنه سيؤدي إلى تقسيم العراق. وهو تحالف لم تحل دون قيامه معرفة أمريكا أن قوات سورية الديموقراطية ليست سوى الوجه الآخر لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه واشنطن منظمةً إرهابيةً.

وفي مسرح اللامعقول، ترى تركيا أن أكراد سورية خطر أكبر من «داعش» على استقرارها، ولذلك ترى جبهة النصرة -ولها صلة لا تخفى بـ «القاعدة» - جزءاً من المعارضة السورية وهي تعادي الأكراد.

يبدو حتى الآن أن واشنطن ليست لديها سياسة واضحة تجاه التطلعات الكردية، لكنها تلتمس لنفسها الأعذار كلما وجدت حاجة للاستعانة بهم في تنفيذ سياستها. لأنها لا تستبعد ذات يوم أن تضطر إلى التعويل على أكراد إيران في معركتها الكبرى ضد نظام الملالي، مثلما استعانت سابقاً بأكراد العراق في معركتها ضد نظام صدام.

الأكيد أن التاريخ ليس ما نشهده اليوم، بل هو خليط من الماضي والحاضر والمستقبل أيضاً، وسورية ستبقى عربية مهما تكاثر التنافس الروسي - الإيراني - التركي وارتفع حجم الدم!