هناك أسلوب عجيب في العلاج النفسي يتبع سياسة الإغراق أو كما يسميها علماء النفس الغَمر، ومن ذلك مثلا أن علاج شخص يخاف من استعمال المصعد الكهربائي هو أن ندخله المصعد لوقت طويل ودون فترات راحة، نتيجة هذا الأسلوب أن خوفه من استعمال المصاعد سيزول تلقائيا.

وبهذه الطريقة عالج زوربا بطل رواية زوربا اليوناني نفسه من اشتهاء الكرز فهكذا قال لمعلمه: (عندما أرغب في شيء ما أتعرف ماذا أفعل؟ إنني آكل منه حتى التقزز كي أتخلص منه ولا أفكر فيه مطلقاً... عندما كنت طفلاً، كنت مجنوناً بالكرز، لم يكن لدي مال كثير، لهذا كنت لا أشتري كثيراً منه دفعة واحدة، وبعد أن آكل ما أشتريه تظل بي شهوة إلى المزيد منه، كنت لا أفكر ليل نهار إلا بالكرز، لكنني ذات يوم غضبت بشدة، أو بالأحرى خجلت، لقد أحسست بأن الكرز يفعل بي ما يشاء، فما الذي فعلت؟... اشتريت سلة من الكرز، وجلست في حفرة، وأخذت بالأكل، وأكلت وأكلت حتى انتفخت بطني. وبعد فترة أخذت بطني توجعني وتقيأت وتقيأت، ومنذ ذلك الحين انتهت قصة الكرز).

ولقد وقفت على قصة أب رأى ابنه المراهق يدخن لكنه لم يضربه ولم ينهره، ولم ينصحه ويوجهه كذلك. بل سأله عن أي نوع من السجائر يستعمل؟. فأخرج المراهق العلبة من جيبه وهو مذعور. فما كان من الأب إلا أن ذهب واشترى على الفور علبتين من نفس النوع وأمر المراهق بأن يدخن الثلاث علب دفعة واحدة وأمامه. لكن المراهق المسكين لم يستطع إكمال علبة واحدة واختنق وسعل واحمّرت عيناه ولم يتركه الأب حتى أيقن أنه كاد يختنق. فماهي نتيجة هذا السلوك التربوي الغريب. شبّ المراهق ونضج وهو لا يكره شيئا في حياته مثل كرهه للتدخين ومهما أغراه الرفاق بسيجارة كان موقفه الرافض ثابتا ولا يتزحزح.

أما أنا فكنت سأتبنى هذا الأسلوب التربوي لو أثبت نجاحه مع مستهلكي الإعلانات التجارية التي يبثها مشاهير الميديا ليل نهار. لعل هذه هي المرة الوحيدة التي نغرق فيها استهلاكيا ولا ينجح أسلوب الإغراق النفسي معنا، بل نطلب المزيد دون هوادة.