تربطني علاقة مبكرة بزيارة المسجد النبوي؛ إذ كنت أصغر أبناء الوالدة وكانت تحملني أينما ذهبت، في تلك الفترات كانت تعتكف شهرا في مكة وشهرا في المدينة المنورة، لذلك عشت الذكريات الأولى من طفولتي زائرا دائما للمسجدين، وكان عباد الله يسيحون في المسجدين ذاكرين مستغفرين تائبين نائبين يطلبون رضوان الله.. وكنا ننام ونأكل ونشرب داخل الحرمين ليس هناك فصل بين الرجال والنساء؛ إذ إن قلوب الجميع مقبلة على العبادة متخلية عن الدنيا ومفاتنها.. وأحمل ذكريات عميقة عزيزة بالجلوس في الروضة الشريفة والوقوف المباشر في مواجهة المقام الشريف لرسول صلى الله عليه وسلم من غير فصل بين ذكر وأنثى ونتنقل في المزارات (المنتشرة في المدينة) في أجواء روحانية عالية، وليس هناك من يجرؤ على فصل العباد إلى نوعين (رجال ونساء)؛ فالكل جاء للسلام على خير الأنام والتقرب إلى الله بأعمال البر في بلد حرام.

كانت هذه هي طبيعة الحرمين الشريفين منذ مئات السنوات حتى دخلت فترة الصحوة (الغفوة العظيمة) وانقلبت الأشياء بعضها فوق بعض، فظهرت دعوات ما أنزل الله بها من سلطان؛ إذ ظهر مفهوم الاختلاط في الحرمين، وظهرت فكرة فصل النساء عن الرجال، وتجرأ البعض على المطالبة بفصل القبر الشريف عن المسجد بحجة عدم جواز الصلاة في مسجد به قبر، واستطال أمر الصحوة بإغلاق بعض المساجد وطمس بعضها (بحجة التبرك) وطالبوا بتغيير القبة الخضراء. عشنا فترة عصيبة من التشدد والغلو (لا أعادها الله من أيام).

والآن ونحن نعيش فترة التصحيح والعودة إلى ما كنا عليه قبل أن تقسمنا دعوات التشدد والمغالاة ما زال وضع النساء في المسجد النبوي بحاجة لمراجعة إجراءات زيارتهن للمقام الشريف والسماح لهن (مثلهن مثل الرجال)، أي أن تكون زيارتهن زيارة مواجهة للمقام الشريف من غير منع أو حواجز.

وأعتقد أن هذا الأمر يخص الهيئة المعنية بشؤون الحرمين الشريفين؛ إذ إن مشاهدة الزائرات القادمات من فجاج الأرض بلهفتهن وهن يتلمسن الحواجز المانعة من المواجهة تستوجب مراجعة إجراءات الزيارة وتمكينهن من الزيارة كونهن شقائق الرجال.