لا تغني المكتبات العامة الكبرى، مهما تعددت أقسامها وتنوعن معارفها وتوزعت فروعها، عن مكتبات الأحياء في تحويل القراءة إلى فعل اجتماعي كفيل بتحقيق درجة أعلى من الوعي الجمعي الذي يؤسس لعلاقات اجتماعية أكثر رسوخا وقدرة على مواجهة التحديات والتواصل مع العالم والصمود في وجه محاولات تزييف الوعي ومصادرته.

المكتبات العامة الكبرى المسيجة بجلال المؤسسات الرسمية لا تمتلك القدرة على استقطاب الفئات البسيطة والفقيرة من الناس من سكان الأحياء الهامشية والمهمشة بقدر ما تستقطبهم المكتبات البسيطة التي تصافح واجهتها أعينهم وهم ذاهبون إلى أعمالهم أو عائدون منها وكأنما هي تدعوهم إليها لتكون حلقة لحوارهم واستراحة لتناول فنجان قهوة وتقليب صفحات كتاب.

وسيكون ما نطلبه من وزارة الثقافة عنتا لا طاقة لها به إن انتظرنا منها أن تنهض بإنشاء تلك الآلاف المؤلفة من المكتبات التي تنتشر في أحياء المدن المختلفة وهي الوزارة التي باتت تشكل لها ٨٤ مكتبة عامة معضلة لم تجد لها حلا مذ تحولت مسؤولية المكتبات من وزارة المعارف إلى وزارة الثقافة، ولذلك فإن من المفترض أن تنهض مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها مجالس الأحياء بإنشاء تلك المكتبات والإشراف عليها في ظل التنظيمات التي تحددها وزارة الثقافة لعمل تلك المكتبات، كما أن من المفترض أن يساهم القطاع الخاص بدعم تلك المكتبات بما يمكنها من توفير احتياجات سكان الحي من الكتب إضافة إلى التبرعات التي يمكن أن تتلقاها من المكتبات الخاصة.

تلك هي أهمية مكتبات الأحياء ومهمتها والجهات المسؤولة عنها وتلك هي رسالتها المتمثلة في رفع مستوى الوعي في المجتمع وإعادة تأهيله لكي يكون صديقا للكتاب ويكون الكتاب صديقا له وهي الرسالة التي عجزت المكتبات العامة الكبرى عن تحقيقها.