المشكلة مع المتطرفين والمتشددين والمغالين ليست فيما يلزمون به أنفسهم من تطرف وتشدد وغلو فيما يمارسونه من عبادات وشعائر، وإنما المشكلة الحقيقية إنما هي إصرارهم على اعتبار أنهم هم وحدهم الذين يعرفون الشرع ويحددون الأسلوب الصحيح للتمسك به ومتابعة تعليماته؛ ولذلك يجهدون جهدهم لإلزام الناس بما يرون وإكراههم على اعتقاد ما يعتقدون، سواء كان ذلك بالحجج التي يقدمونها والأدلة التي يستندون إليها أو بقوة الإكراه التي يطاردون من خلالها كل من لا يؤمن بما يؤمنون ولا يتبع ما يتبعون.

من هنا فإن طرح الوسطية بديلاً للتشدد أو أن تطرح علاجاً للتشدد فإن المفترض فيها أن تكون خياراً معرفياً لمن تشكل له قناعة فيتبعها، وليست فرضاً على الناس جميعاً يلتزمون بها، ذلك أنها لو طرحت باعتبارها اتجاهاً وأسلوباً ملزماً لأصبحت تطرفاً وغلواً، بمعنى أنها سوف تسقط فيما سقط فيه الغلو من إكراه وحمل للناس على اتجاه واحد وأسلوب واحد في علاقته بربه التي ينبغي أن تكون صادرة عن قناعة مطلقة لا يتدخل خوف ولا مجاملة ولا مسايرة فيها، ولا ضير علينا إن بقي بعض المتطرفين والمتشددين على ما هم عليه ما داموا لا يملكون سلطة يكرهون بها الناس، وما دام الناس قد تبينوا معنى أن يكون الدين دين يسر وتسامح فلا يغويهم أحد بتطرف وغلو باسم الدين.

الدعوة إلى الوسطية ينبغي أن تكون حركة تنظير، وليست حركة تقعيد، حركة تسعى إلى تأسيس وعي بمفهوم الشرع، وليست حركة تحدد مفاهيم الشرع وأساليب العبادات وتلزم الناس باتباعها.