على غرار وحدة التحول الرقمي ومكتب التخصيص وغيرها من الإجراءات الجديدة الرائدة التي باتت مؤثرا فاعلا وإيجابيا في مختلف برامج التحول، ثمة احتياج حقيقي لإدارة الجانب الأبرز والأهم في عمليات التحول المستقبلية السعودية وهو الجانب الفكري والثقافي الاجتماعي العام.

كانت أبرز الإشكالات الاجتماعية في واقعنا السعودي أن كثيرا من الإجراءات والقرارات الجديدة الإيجابية، والتي تحظى بقبول اجتماعي واسع، تظل تبحث عن سند فكري معرفي لها يجعل الناس الذين يقبلون عليها أكثر قوة وإيمانا بما يقومون به.

يستطيع أي شاب يافع متحمس أن يجادل أصدقاءه وإخوانه الذين يستعدون للذهاب لحضور حفل غنائي بأن هذا لا يجوز ويستند إلى آراء مجموعة من الأسماء الفقهية المعروفة، قد لا يؤثر هذا في قرارهم لكنه سيظل أكثر تفوقا عليهم في تلك المحاججة، ليس لأنه الأصوب لكن لأنه لا يوجد صوت آخر موثوق، ولا يوجد رواج اجتماعي لفكرة أن ثمة آراء واسعة متنوعة في هذا الجانب وكلها صواب، بالتأكيد أن هذا يرتبط مباشرة بالتكوين الثقافي العام الذي ظل التعليم التقليدي والمنابر الوعظية أبرز عوامل تغذيته بالأحادية وطمس الاختلاف والتنوع.

الهدف من كل ذلك لا يعني طمس الآراء الخاصة بالأفراد التي يَرَوْن من خلالها أن الصواب يحتم عليهم تحريم ممارسة كل هذه الأنماط الجديدة في الحياة العامة، هذا شأنهم. الهدف يكمن في إمداد كل المقبلين على هذه الحياة الجديدة بسند فكري متين يستطيعون من خلاله الدفاع عن حياتهم وخياراتهم في مجتمعاتهم الصغيرة المحيطة بهم.

تنتشر بين الحين والآخر مقاطع مصورة لأفراد لا يبدو عليهم سمة الالتزام التقليدي وهم يتحدثون عما حل بالمجتمع بعد تنظيم عمل الهيئة الجديد أو بعد بروز مختلف الفعاليات الترفيهية؛ وهؤلاء رغم الرواج الذي تحصده تلك المقاطع المصورة إلا أنها لا تؤثر في الغالب، لكنها لا تواجه أيضا بمنطق ولغة جديدة؛ لا أحد يتحدث للناس عن الجدوى الكبيرة التي تحققت بعد تنظيم عمل الهيئة الجديد، ولا أحد يبرز القيمة الكبرى التي تزدهر في الوجدان العام تجاه القانون والنظام المعني بحفظ الحياة والحريات، لا أحد يبرز أن التنظيم الجديد يفسح الطريق للقانون المدني الذي لا يحتكم للاجتهادات ولا للآراء الخاصة.

تعمل وحدة التحول الفكري والثقافي على بناء ما يمكن وصفه بالمسار الثقافي الموازي لمسارات وخطط التحول؛ خاصة أن كل تحول اقتصادي واجتماعي يقتضي ضرورة وجود تحولات ثقافية فكرية أيضا، بل يحتاج إليها لكي يكتمل ويتحقق. هذا أمر واقعي والتنبه له سيمثل مشروعا وطنيا حقيقيا ومحوريا للغاية.

يعمل مكتب التحول الفكري والثقافي على حزمة من الأهداف من أبرزها:

• الإعلاء من قيم الاعتدال والمدنية والحريات الفردية والخيارات العامة.

• الإعلاء من شأن التنوع والتعدد باعتبارها مظهرا من مظاهر الثراء الاجتماعي والثقافي السعودي.

• تعزيز الهوية الثقافية الفكرية للمجتمع باعتباره مجتمعا مدنيا متنوعا.

• تقوية الارتباط بين الشارع وبين كل القرارات الجديدة بوصفها داعمة للحياة الإيجابية المدنية.

• إبراز ونشر الأبعاد الفكرية الثقافية الشرعية الداعمة لكل هذه التحولات والمستجدات الإيجابية.

• منح الثقافة العامة قوة فكرية جديدة دافعة باتجاه التغيير ومواكبة الإيقاع الجديد.

ويقوم المكتب ببناء مبادرات واسعة تشمل مشاريع للتعليم والإعلام والثقافة، ويقوم بإنتاج وبناء وإصدار البرامج التي تعزز وتنمي كل التحولات الحالية وتؤسس للتحولات المستقبلية. كما يقدم المكتب دراسات تشرح الواقع وتبحث في أبرز الإشكالات الفكرية القائمة في الحياة السعودية.

إن ما يحدث اليوم من تحولات واسعة في المملكة هو ما يجب أن يحدث وفي هذا التوقيت تحديدا، ولكي يحقق التحول أهدافه ومثلما هو قوي في كل جوانبه لا بد أن يكون بذات القوة في أبعاده الفكرية والثقافية، ونحن كما يقول سمو ولي والعهد لا نصنع شيئا جديدا إننا فقط نعود لما كنا عليه من اعتدال ووسطية. وأُضيف: ومدنية وتنوع أيضا.