«حدد نفسك بنفسك» جملة تختصر مضمون فلسفة الفيلسوف الكبير امانويل كانت، الذي ظهر في القرن السابع عشر ميلادي، وصاحب كتاب (نقد العقل الخالص) الذي يعتبر ثورة في منهج الفكر الإنساني الذي هدم صرح الفكر السائد في ذلك الوقت «ما وراء الطبيعة» (الميتافيزيقيا)، وقد أسس ورسخ أسس أخلاق جديدة، تزامنت في الوقت نفسه مع نظرية المعرفة الممتدة بجذورها مع النقد حتى تكاد تكون جزءا لا يتجزأ منه بحيث لا يمكن بحث ودراسة أحدهما بعيداً عن الآخر.

الإنسان العاقل الحر المستنير يستطيع أن يرسم حدوده بنفسه دون حاجة لقوى خارجية تجبره على القيام بذلك؛ وهذا قمة كمال العقل الذي يدرك أن مقدار حريته تكون بقدر ما يخضع ذاته ونفسه للقانون الذي يضعه بنفسه لنفسه؛ وبمعنى آخر الإنسان الحر هو الذي يحدد نفسه بنفسه. وقد كتب على قبر الفيلسوف كانت بحروف من ذهب هذه العبارة الشهيرة «شيئان يملآن الوجدان بإعجاب وإجلال ويزدادان على الدوام كلما أمعن الفكر التأمل فيهما؛ السماء ذات النجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في صدري».

إن الإنسان الحر هو الذي يقيد نفسه بالأخلاق، فالقوة، والغنى، والشرف قد يتولد عنها الاعتزاز بالنفس الذي قد ينتهي في بعض الأحيان إلى غرور واختيال إذا لم تكن ثمة إرادة خيرة أو طبع [خلق] يصحح ويعدل من أثرها على الوجدان. فالعقل الحر وحده قادر على رسم حدوده وقانونه الأخلاقي الصرف بعيداً عن كل منفعة أو مصلحة ذاتية.

الإنسان المتعصب تجده بعيداً عن الخلق القويم؛ لأن «الدوجماطيقي»، سواء كان سببه تعصبا دينيا أو علمانيا؛ لانغلاق عقله الذي لا يرى النور مثل غرفة مظلمة شديدة الظلام لا يدخلها النور ولا يمكن لمن داخلها الخروج منها؛ إنها سجن ظلامي بامتياز لا يمكن تجاوزه. فصاحب العقل المغلق لا يستطيع بل ولا يقدر على أن يتجاوز أفكاره المظلمة، كما أنه لا يرى غير أفكاره التي يعتبرها ويؤمن أنها يقينية قطعية لا تقبل المناقشة، وهو ما يميز الطابع المنهجي لفكره ولحالة الانغلاق العقلي التي يعيشها.

إن أفضل وسيلة وطريقة يقيس فيها الإنسان سلامة عقله ورجحان فكره تكمن في مدى تقيده بالأخلاق التي وضعها لنفسه بعيدة عن كل غاية وهدف ومصلحة. نعم فالعقل أصل ومستقر الأخلاق، وقد أفلح من حدد نفسه بنفسه.

* مستشار قانوني

osamayamani@