في فترة من عمري عندما كنت أسرع للنوم عند تكاثف النقاط السوداء على شاشة التلفزيون.. كنت أغلقه بسرعة قبل أن تشفطني الشاشة ويلتهمني العدم.. العدم في خيالي الطفولي كان متسعا كالصحراء، ضيقا بحجم التلفزيون الصغير، كنت أثق أنهم يعرضون آيات قرآنية في النهاية قبل انتشار النقاط السوداء لطرد الأشباح ذات العين الواحدة قبل أن تتسرب وتلتهم الصغار المشاغبين.. والدتي رحمة الله عليها كانت تخبرني أن الدجال بعين واحدة، تشبه العنبة الفاسدة سيأتي ليبتلع كل من يترك الصلاة ويسحبهم إلى بئر عميقة.. كنت أثق أنه سيخرج لي من الشاشة، فكنت أغلق التلفزيون بسرعة قبل أن تبدأ مرحلة «الوشششششش». ومر الزمان وظهر أكثر من دجال على شاشة التلفزيون.. ظهروا ليسقونا من تلك البئر المستنقع جحيم دجلهم وينتزعوا شبابا من أحضان أمهاتهم ويغررون بهم يحشون عقولهم ويغرسون فيها غرساً شيطانياً بدأ بطرح ثمار غريبة لم نر ونتذوق من قبل لها مثيلا.. كانت ثمارا شيطانية.. نعم كانت ثمارا شيطانية، وتمسكوا بالقشور تاركين الجوهر مركونا لا يقربونه يتيهون وهم منجرفون في طريق لا عودة منه.. وبعثروا أمانينا وآمال المستقبل.. الدين أصبح حجة وألعوبة في أيدي من لا يخافون الله، أصبح قناعا يلبس للتدليس والخداع، هذا الوباء أحال الحياة إلى جحيم مستعر.. عشعش في كل ركن من أركان الأرض الهادئة، وخلعوا صفة الإرهابي على العربي والمسلم وأصبحت كلمة إرهابي وثيقة الصلة بالمسلمين وصارت الجالية المسلمة والمغتربة من أصول عربية تحت ميكروسكوب الرقابة، وأضحى المسافر المسلم يعامل في مطارات العالم معاملة المجرمين والمهربين والمصابين بأنفلونزا الطيور.. ونتيجة لهذا الهلع المتنامي في الغرب تناسلت أفعال وتصرفات غير منطقية ولا إنسانية ليتطور الأمر أن تخضع أسماء الأطفال للرقابة الصارمة.. في الأشهر القليلة الماضية أحال عمدة مدينة «تولوز» الفرنسية أما وأبا إلى المحكمة بتهمة تسمية ابنهما اسما إرهابيا، حيث أطلقا على ابنهما «جهاد» من جاهد يجاهد فهو مجاهد مستقبلي.. الأسرة مسلمة فرنسية من أصول مغربية، ولدت الأم الطفل واسمته «جهاد» ليجتمع مجلس المدينة ويعترض.. قال أعضاؤه إنهم كمجتمع يعيشون ظروفا حساسة، حيث الإرهاب يهدد أمنهم ويقض مضجعهم لا يتصورون أن يسمي ابنه بهذا الاسم التطرفي الراديكالي التحريضي الذي يهدد المجتمع.. أرسل العمدة إنذارا للأسرة لتغير اسم الطفل ولما رفضت الأسرة أحيل الموضوع للمحكمة التي قبلت وجهة نظر المجلس وفرضت على الأسرة تغيير الاسم، وفي واقعة أخرى تدخلت السلطات الفرنسية في تسمية طفل أسموه أهله «محمد مراح» على اسم شاب مسلم نفذ عملية إرهابية ضد فرنسيين يهود، وتحولت المسألة إلى قضية رأي عام انتهت بتغيير الاسم. وفي حادثة أخرى حكمت المحكمة على أم بالحبس ٣ سنوات ودفع كفالة وغرامة مالية تكبدها الأب؛ لأنهم أرسلوا ابنهم يرتدي «تي شيرت» مكتوبا عليه «قنبلة»، واعتبر القاضي الأم غير مسؤولة؛ لأنها تحرض على الإرهاب وتستخف بمعاناة الشعب الفرنسي وغير أمينة لأنها تنشئ ابنها على أن يكون قنبلة لقتل زملائه ومدرسيه.. وفي أمريكا قتل شاب كتب اسمه على لوح سيارته وكان اسمه «جهاد».. عندما نظم «المعري» بيته المشهور «وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل»، لم يعلم المناضل أن بعده سيأتي دجالون رعاع أتوا بما لم يستطع الأوائل أن يأتوا به قط.. حيث جعلوا الشقاء في كل بيت والجفاف في كل بئر والظلام في كل شارع والتصدع في كل جدار والخريف في كل حقل والضياع في كل بحر.. وليصبح المسلم طيب الله ذكره بفضل أفكارهم وتصرفاتهم نكرة حضارية وصورة تذكارية مطاردا في البلدان التي يزورها أو يحل بها كالجراد الضار تتبعه في الحل والترحال مجموعة من الأقاويل والوشايات على ألسنة المذيعين في الشاشات الفضية والمواقع الإلكترونية.. حلمه الوحيد الباقي أن يملك الحق في تسمية مولوده في وثيقة رسمية وفق ما يشاء.. ولهذا الجنون تتمة.. ولا عفا الله عما مضى!

fouad5azab@gmail.com