في هدوء عميق وفي صمت أعمق توارى الفنان صاحب القامة الرفيعة سراج عمر.. ومن خلفه بلاده والكل يردد في لحظات متفاوتة من الشعور التعبيري عن مدى عمق الروابط بين الإنسان والثرى.. استطاع الفنان سراج أن يخلد ذكره من خلال حب الثرى.. وكان أن أعطاه صدق الولاء وصدق المحبة وصدق الإخلاص أن أعطاه القدرة على أن يفجر عملا رائعا يستقطب أحاسيس الجماهير على المستوى الوطني والمحلي والخليجي وعلى المستوى العربي.. كذلك من خلال سمو أحاسيسه وقدرته على أن يراوح بين الوطن ومشاعر الحب.. حب الوطن لإنسانه وحب الإنسان لوطنه.

سراج عمر وعمر باعشن

عرفته عازفا مع الفنان الشعبي الكبير عمر باعشن ثم ما لبث أن أفسحت له الساحة الفنية مكانا متقدما.. تصدر به في سماء الألحان فكان منها الأغنية الكبيرة الشهيرة مقادير التي أنصت لها الجمهور العربي في كافة أنحاء الوطن من الخليج إلى المحيط.. وكانت بحق مكتملة الأضلاع، كلاما الشاعر الراحل الأمير محمد العبدالله الفيصل وغناء طلال المداح ولحنا سراج عمر.. وفرضها على أفواه كل المحبين للفن والمتابعين له.. وكانت سببا إلى الذيوع والانتشار.. وسبحان الله فبرحيله أسدل التاريخ الستار على حقبة مهمة في تاريخ الفن السعودي.. كانت بحق حقبة الفنانين الكبار.. فقد كانت ساحة لتفريخ المواهب والقدرات.. ومن الأسماء الكبيرة كان عمر باعشن ومحمد علي سندي وطلال مداح وعمر كدرس وطارق عبدالحكيم ومطلق الذيابي وسعد إبراهيم وفوزي محسون وصالح جلال وإبتسام لطفي وسامي إحسان ومحمد عبده والشريف سرور وعبدالرحمن المؤذن وجميل محمود ومحمد شفيق وغازي علي وحامد عمر ومحمود حلواني وحيدر فكري.. كل أولئك كانوا رموزا ملأت سماء الوطن فنا وتعبيرا ومحبة.

سراج عمر آية في الأخلاق

كان الراحل يرحمه الله آية في سمو السلوك والتحلي بأروع وأنبل الصفات الأخلاقية.. يجلي ذلك كثير من الصمت وعندما يتحدث فإنه لا يبتذل وإنما يشدك إلى سماعه.. وبمثل ما بدأ في مخاض الصمت.. انتهى أيضا في نفس المخاض.. كان خبر رحيله صدمة كبيرة لمحبيه وعارفي فضله.. وبذلك يفتقد الوطن أحد رموزه الذين أسهموا في إثراء الساحة الفنية.. ولعب دورا مشهودا يشار إليه بالبنان.. كل ذلك في هدوء وفي صمت ودون شنشنة ولا غوغائية.. وإنما كان في صمته حديث يعانق القلوب.. رحم الله سراج عمر الذي سيظل خالدا في الذاكرة التاريخية لهذا الوطن.. كلما ردد مردد في افتخار وفي حب وفي صدق وولاء:

بلادي بلادي منار الهدى... ومهد البطولة عبر المدى

عليها ومنها السلام ابتدا... وفيها تألق فجر الندى

حياتي لمجدِ بلادي فدِا.

ومن حقه على الوطن ومواطنيه ألا يمر مرور الكرام.. وإنما يخلد اسمه على القاعات المهمة وعلى الشوارع المهمة وعلى المناسبات المهمة.. فأمة لا تفتخر بمثل هذه الهامات أمة تمارس العقوق.. وهذه وقفة من حق هذا الفنان الكبير أن نقفها إجلالا واحتراما وتجسيدا لمعاني الوفاء والصدق في التعبير والإعراب عن الولاء وحب الوطن.

تكون صفحة مشرقة تغري طلبة الفن والسمو الأخلاقى بأن يقتدوا بمثل هذه القامة.. وأن يكون الوطن هو مبعث الحب والإبداع والعطاء.. وأن نسخر كل القدرات في خلق أرضية وخلفية لوطن يسمو سماء وأرضا لمواطنيه.. كما يسمون جميعهم حبا وولاء وتعبيرا وتفانيا في الولاء ثم الولاء ثم الولاء.

ونشكر هذا الوطن الذي كان له الفضل في إعطاء هذه القدرات حظها من النبوغ والتفوق.. ولعلنا قريبا نشهد قدرات إنسانية تتفوق في مجال الفن الراقي السامي الذي يعيش الوطن والمواطن في داخل وجدانه وقدراته.. وحسبي الله ونعم الوكيل.

alialrabghi9@gmail.com