كثر الحديث مؤخرا عن خطورة وضع المؤسسات الصحفية في السعودية وتردي الوضع المالي لها بسبب انحسار الإيرادات وهبوط معدلات التوزيع بشكل خطير مما أثر على الوضع الاقتصادي وهدد استمرارها.

وهذا الوضع ليس بالاستثناء السعودي، فهذا هو الوضع في العالم كله. ولكن الوضع في السعودية له «خصوصية» تجعل للدولة نصيبا مهما جدا من تحمل المسؤولية.

منذ تفتيت الملكية الفردية للمؤسسات الصحفية وتحويلها إلى نظام المؤسسات، وهذه المؤسسات ليست بالمؤسسات التجارية التقليدية 100%، فهي محكومة بشروط مقيدة لا تجعلها قادرة على التحكم في أصولها بالشكل التقليدي من إدخال شركاء أو تعيين مديرين وتسعير الجريدة نفسها (الجريدة لها سعر رسم «محمي» مثلها مثل سلع أخرى كالخبز والبنزين على سبيل المثال) وهي أيضا لا تستطيع إغلاق أي منتج أو الإفلاس بشكل سهل ولا الاندماج مع آخرين وعليه بالتالي هناك «تحرير» مطلوب للقطاع بأكمله بدلا من الاعتماد على المعونات المؤقتة، وهذا لن يكون ممكنا إلا بإحداث نقلة نوعية تامة في الأنظمة والقوانين التي تقوم عليها المؤسسات الصحفية وتحويلها إلى كيانات حرة مستقلة وتجارية 100%.

اليوم يجب التعامل مع هذه الكيانات أنها جزء من كيانات إعلامية تقدم مضمونا إعلاميا وليس فقط على أنها مؤسسات صحفية ورقية وبالتالي ستكون هناك إمكانية فتح المجال لإعادة قراءة الوضع «الاستثماري» الممكن لهذا القطاع المهم والحساس.

عدد الصحف الورقية اليوم أكبر من حجم السوق وبالتالي لا بد من أن يكون هناك فرصة لتكتلات واندماجات مطلوبة في السوق وبعدها يتم تقليص عدد العاملين ومن ثم يتم فتح المجال لشركات الاتصالات للاستحواذ على حصص في المؤسسات الصحفية حتى تستخدمها كمضمون في منتجاتها، وكذلك الأمر أن يسمح لتحرير الإذاعة والتلفزيون وسيتم خصخصته ويدخل في شراكة مع مؤسسات صحفية محلية وإطلاق المجال لفرص الاستثمار من كيانات إعلامية إقليمية وعالمية للدخول في فرص استثمارية في الكيانات الإعلامية الجديدة أسوة بما يحدث في العالم بأسره دون أي استثناء.

مراقبة المؤسسات الصحفية وهي تحتضر وتركها تغرق دون الحراك بتغيير قواعد اللعبة التي تقيد حراكها وذلك بحجة أن «السوق تغير والبقاء للأقوى» هي ليست مقولة منصفة ولا عادلة؛ لأن مقومات التنافسية والفرصة الكاملة لم تتحقق للمحاربين لأجل البقاء.

وعليه هذه تكون أشبه بالانتحار أو الموت الرحيم. المؤسسات الصحفية كانت دوما جزءا وطنيا من واجهة البلاد الإعلامية.

خط الدفاع الأول عن قضاياها وساهمت بشكل جوهري في مسيرة التنمية الاقتصادية والثقافية ولا شك أن نظامها المؤسساتي بحاجة ماسة لإعادة هيكلة قوية لإنقاذها من مصير غير منصف وخصوصا أن هناك فرصا لإعادة تمركزها بشكل يليق مع التغيرات الجديدة التي حصلت في السوق العالمية قبل فوات الأوان.