أصبحت وسائل التواصل وما يرد فيها وما يتم تداوله هو المعبر الحقيقي عن مشاعر الناس وهي بفعلها وتداولها لأي مقطع إنما تستفتي وتعبر عن رأيها قبولاً أو رفضاً وهكذا يمكنني ترشيح حدثين مهمين تم تداولهما بكثرة خلال الأيام القريبة الماضية.

كان الحدث الأول والذي شهد استقطاباً وإعجاباً وتعليقاً لكثير من الناس هو استقالة اللورد البريطاني بايتس من مجلس العموم لمجرد أنه تأخر 5 دقائق وقت مباشرته للعمل وقد ألقى بهذه المناسبة كلمة مقتضبة أعرب فيها عن أسفه لتأخره عن بداية الجلسة التي كانت مخصصة لأسئلة البرلمانيين حيث فاته سؤال موجه إليه حين كان لم يصل بعد مما دفعه للاستقالة الفورية معتبراً تأخيره سلوكاً لا يليق بمن هو مثله وأنه بالتالي يستقيل تكفيراً عن هذا التقصير.

وسؤالي هنا: كم فئة وكم مئة من المسؤولين في بلادي وبلاد العرب أوطاني سيقدمون استقالاتهم تطهيراً وتكفيراً وغفراناً لذنوب غيابهم وليس تأخرهم أو بسبب إهمالهم وتأجيلهم لكثير من المعاملات والإجراءات بما يعطل مصالح الناس كما أرجو أن تلاحظ أخي القارئ أنني لم أتحدث عن فساد بعض الموظفين وغمطهم حقوق البشر.

لكنني رغم ذلك سأبسط أشرعة التفاؤل مع حملة الفساد التي قامت بها حكومتنا الموقرة وأنها ماضية بمشيئة الله في تكريس النزاهة وحياة الضمير وربما يكون من المستحسن – لاحقاً – دفع الحكومة لبعض مسؤوليها الذين يجترحون بعض الأخطاء والمخالفات لتقديم استقالاتهم العلنية مع تسويغها بالاعتراف والاعتذار فذلك كفيل بزرع هذه الفضيلة في مجتمعنا بكافة مستوياته خاصة مع ما تشهده قطاعاتنا الحكومية من حراك داخلي يؤشر إلى تغير في مستوى الانضباط والأداء الحكومي، ومثلما استقطب حدث استقالة الوزير البريطاني المتابعة الكبيرة فقد تم تداول صورة رئيس وزراء كندا جاستن ترودو وهو يلبس في منتدى دافوس جورباً بسيطاً بل ولافتاً للنظر من خلال لونه الفاقع والرسومات على ظهره وكان السر الكامن في هذه الشرابات المختلفة أنها بسبب رغبة رئيس الوزراء في تشجيع ودعم شركة أسسها الشاب «جون» وهو المصاب بمتلازمة داون بالشراكة مع والده علماً أن نصف موظفي هذه الشركة من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وهذه الحادثة ليست سابقة في العالم المتقدم كما أنها ليست مستغربة من جاستن ترودو الذي يحصد لنفسه شعبية كبيرة من خلال كثير من تصرفاته العفوية والمتحضرة.

وعندما أذكر مثال الرئيس ترودو فإنني أريد أن يدرك المسؤول انحياز الناس - كل الناس - للعمل الإيجابي وتأييدهم له كما أن تداول القصة إنما يشي برغبة كامنة في أن يرى المواطن سلوكاً مماثلاً من الدعم البسيط من الوزراء والمسؤولين لكل المبادرات الإيجابية التي تظهر على استحياء وإبرازها لكي يطغى مؤشر الإيجابية عندنا على مؤشر السلبية وجلد الذات، ولعلهم عند ذلك يلمسون وقع هذه الأفعال على نفوس العطشى للعمل العفوي والبسيط والإنساني قبل كل شيء.