ضمن منتدى دافوس الاقتصادي تولت مؤسسة مسك الخيرية، والتي كان لها حضور لافت وممتاز، دعوة العديد من حشود الوفود المشاركين إلى ما يمكن أن نسميه جولة غذائية على أطباقنا الغذائية المحلية، وقد عمدت بعض الوسائل الإعلامية على وصف هذه الأطباق بالتراثية، علماً أنها لا تزال ضمن الوجبات اليومية لدى قدر وافر من السعوديين الذين يميلون إلى مثل هذه الأكلات الصحية أكثر من التي استجدت لاحقاً على المائدة السعودية، لكن اللافت في هذه الاحتفالية هو اندهاشنا وارتفاع حواجبنا الذي صاحب الإقبال على المرقوق والجريش والقرصان والحنيذ والعريكة والعصيدة وقائمة طويلة من الوجبات اللذيذة والنافعة.

وأعني في حقيقة الأمر شعورنا بالنقص أو لنقل الحياء من إظهار هذه الأطباق، كما لو أنها شيء منقرض وتراث لا يليق بالعصر، وهذا انعكاس لميلنا الشديد نحو الحداثة والعصرنة وما يتبع ذلك من قوائم طعام جديدة بل ووافدة، وهو حقيقة ما تسبب في ارتفاع نسبة السمنة والترهل بين السعوديين نتيجة انصرافهم إلى الأكلات السريعة وخاصة الأمريكية منها، والتي يقف الهمبرقر والبيتزا على رأسها، وهي المشحونة بكثير من الإضافات والمبهرات الجاذبة، هذا إضافة إلى انتشارها في شوارعنا المليئة بمطاعم الوجبات السريعة وما يصحب انتشارها من إعلانات تحفيزية يسيل لها اللعاب، ولأنني لاحظت أن احتفالية مسك بوجباتنا التراثية والعصرية في نفس الوقت قد صاحبها قدر من الإقبال فإنني أجدني مدفوعاً لدعوة هيئة الترفيه أو الجهة المعنية بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتشجيع المطاعم المتخصصة في الوجبات المحلية، ومحاولة تطويرها لجعلها سهلة التداول وترغيب الشباب فيها، وليس جديداً القول بأن انتشار الوجبات الغذائية لبعض الدول هو من باب القوة الناعمة التي تروج لهذه الدولة، وكلنا لاحظنا كيف انتشرت المطاعم الصينية في السنوات الأخيرة وكيف أن هذا جاء متزامناً مع التحول الاقتصادي والذي مرت به الصين من الشيوعية إلى الاقتصاد الحر، كما أننا لاحظنا كذلك التمدد الواضح والمرغوب للمطاعم والوجبات اليابانية وقبل ذلك كله استشراء الوجبات الأمريكية والإيطالية.

إذاً فإن تحولنا ورؤيتنا الطموحة لا شك أنها تضع انتشار الثقافة الغذائية السعودية وكذلك الموسيقى السعودية ضمن أجندتها، والتي يمكن أن تمتد إلى الإسهام في فتح المطاعم السعودية في بعض المدن السياحية العالمية والتي نسافر إليها كثيراً.

نريد أن ندعم هذا التوجه ضمن قوتنا الناعمة وحينها لن نندهش أو نحتفل لو أكل مرقوقنا ترمب، أو لو طلب عريكتنا أي نجم سينمائي، أو لو أكل جريشنا أي نجم كروي لامع، وبالتالي فلن يكون هذا الفعل كما لو أنه خروج عن المعتاد.