قبل أيام أعلنت دار جداول للنشر في بيروت عن إصدار جديد يبدو في غاية الإثارة والأهمية تحت عنوان «تشخيص الصحوة – تحليل وذكريات»، يتناول بحسب المعلومات المنشورة عنه خبايا وأسرارا تُكشف لأول مرة عن حكايات تسلل أتباع التيار «الصحيوني الإخواني» إلى المؤسسات الحكومية السعودية طوال 4 عقود، وما تزامن مع ذلك من تغول لهذا التيار في المجتمع وعبثه بالثقافة الاجتماعية في مختلف مناطق المملكة، لتحويلها من ثقافة حياة وأمل إلى ثقافة موت وكراهية، وهو ما قال عنه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال جلسة نقاشية على هامش مبادرة مستقبل الاستثمار العام الماضي: «إن مشروع الصحوة انتشر في المنطقة بعد العام 1979 ونحن لم نكن بهذا الشكل في السابق، نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، إلى الإسلام المنفتح على جميع الأديان والتقاليد والشعوب.. 70% من الشعب السعودي تحت سن الـ30، وبصراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف ندمرهم اليوم، لأننا نريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم مبادئ ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، ونتعايش مع العالم ونساهم في تنمية وطننا والعالم».

اللافت في أخبار الإصدار الجديد اسم مؤلفه الدكتور توفيق السديري «نائب وزير الشؤون الإسلامية».. وهو كما أعرف ليس سوى الرجل الذي ظل لسنوات طويلة المسؤول الأول عن تلقي الشكاوى الإعلامية ضد خطباء وأئمة المساجد المتطرفين في السعودية، والمسؤول كذلك عن متابعة المناشط الدعوية وما يدور فيها، أي أنه كان أحد أقرب الناس إلى التحركات الصحوية طوال فترة تغول هذا التنظيم، وربما لذلك وصف كتابه بـ«الصرخة التي ما كان ليبديها لولا الحاجة إليها»، ما يعني أنه لم يستطع أن يطلق هذه الصرخة الضرورية في وقت سابق لأن الأجواء العامة لم تساعده على ذلك، وهو في هذا الأمر إن صح استنتاجي على حق، فالصحويون كانوا يمسكون بمفاصل الجهات الدينية بقوة ويشكلون ضغطا اجتماعيا ووظيفيا مهولا على كل من يشكون مجرد شك في مخالفته لهم، وأكاد أجزم أن الكتاب المرتقب الذي سيكون متاحاً للقراء والباحثين في معرض الرياض القادم للكتاب، يتضمن شيئاً من الضغوط التي تعرض لها السديري شخصيا في عمله وحياته الاجتماعية، بالرغم من أنه كان كما عرفته رجلاً دبلوماسيا في علاقاته، ويحاول دائماً الإمساك بشعرة معاوية قدر الإمكان، وعليه يمكننا وصف هذا الإصدار بـ«العشاء الأخير للسديري مع الصحوة»، إذ إنه هدم به كل جسور التواصل والعلاقات المحتملة مع الصحويين الذين ما زالوا متربصين، بالرغم من دخولهم في وضع «السكون» مرحليا، وما زالوا كذلك يحاولون إيجاد موطئ قدم جديد في الفضاء الاجتماعي السعودي دون كلل أو ملل.

الناس شهود الله في أرضه، ولذلك لا بد أن أشير إلى أنني كنت قبل سنوات على اتصال شخصي مع الدكتور توفيق السديري بخصوص بعض الأنشطة والتحركات الدعوية التي يشرف عليها مجموعة من المتطرفين، ولمست فيه بشكل مباشر حرصه ورغبته الجادة في كبح جماح تلك الأنشطة، لكن كان هناك سر لم يقله لي حينها وبت أفهمه الآن، وأجزم أنني سأفهمه بشكل أفضل إن أهداني نسخة موقعة من كتابه المثير المرتقب «تشخيص الصحوة».