من أبرز مشاكل الخطاب الديني السائد في مجتمعنا، هو عدم الاعتراف بالتعددية الفقهية والتعاطي مع المسائل الشرعية بطريقة المعادلات الرياضية التي لا تقبل الخطأ أو النسبية، واحتكار الشريعة بقائمة محددة أمواتا كانوا أو أحياء، فما تنطق به أفواههم هو الشريعة وما عداه فهو بدعة أو حرام إلى آخر تلك القوائم من المفردات التي ينعتون بها ما لا ينجح بالمرور على مفرزتهم الشرعية، فالشريعة ضيقة جدا في منظورهم محدودة بأشخاص وجغرافيا، من هنا تسلل إلينا التطرف حتى خنق حياتنا الاجتماعية وسرق أعمار أجيال من الشباب.

لا يمكن أن تلغي دور الفقهاء لكن يمكن أن تهذب خطابهم أو أن تُمَدنه، من الممكن ببساطة أن تخلق طبقة جديدة من الفقهاء تحل محل الطبقة التقليدية التي بدأت في الخروج من المشهد الاجتماعي بسبب الحزم القانوني تجاه التطرف، والوعي الاجتماعي، لذا لا يمكن أن يسد الفراغ إلا فقهاء جدد يتم صياغة فكرهم بآليات جديدة تنتمي للمستقبل وليس للماضي، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تصميم برامج ابتعاث للشباب والبنات من المتميزين خريجي كليات الشريعة والنابغين من خريجي الثانويات العامة إلى الجامعات الإسلامية العريقة مثل جامعة الأزهر الشريف وجامعة الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في المغرب وغيرها من الجامعات الإسلامية في العالم العربي، والهدف الرئيسي والمركزي والمحوري هو تعليم الطالب والطالبة بأن الشريعة أوسع من جماجم البشر، وأن تُخلق طبقة جديدة من الشرعيين القادرين على تعميق روح التسامح والاعتدال في المجتمع من خلال أطروحات فقهية تتواءم مع روح العصر ولا تتصادم معه، إنه أشبه ما يكون بـ«الحمل خارج الرحم»، لكنها ضرورة تمليها اللحظة التاريخية التي تعيشها السعودية وهي تغتسل من أدران التطرف، وأعتقد أن جامعاتنا الإسلامية وعلى رأسها جامعة الإمام على سبيل المثال غير قادرة على القيام بهذا الدور أو جزء منه لوحدها فقط.