حضرت العوائل السعودية وشجعت فرقها بأدب واحترام، ومر الموقف بهدوء وسلام. ولم يحصل أي واقعة تخدش المناسبة كما كان يهول منها من يهول، تماما كما يحصل مع المناسبات الفنية وكما حصل حينما عملت المرأة سعيا للرزق في مجالات مختلفة ومحترمة جدا، وتماما كما كان سيحصل حينما تخرج العائلة السعودية إلى السينما أو عندما تقود المرأة سيارتها. أضعنا سنوات غالية وثمينة من عمرنا في جدل عقيم وبيزنطي.

اليوم حينما تحادث مجموعة من الشباب عن منع هذه الأمور في السابق سينظرون إليك بتعجب شديد ويقهقهون ضاحكين. الأمم المحترمة لا تخجل من ماضيها مهما كان معيبا، فهي تقيم له النصب التذكاري والمتحف مهما كان مخجلا ومعيبا وغريبا، الغاية الأساسية منه هو الاتعاظ والاستفادة وعدم الوقوع «مجددا» أسرى لنفس الخطأ أو على أقل تقدير الوقوع في فخ «المنهجية» التي أدت لهذا الخطأ الكارثي.

ألمانيا أقامت النصب التذكاري والمتحف ليذكر الجميع عن أهوال النازية وجرائمها والاستفادة من جروح وآلام ما حدث، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية هناك متحف يبرز الجرائم التي مورست في «العبيد» الآتين من القارة الأفريقية وسلبهم حقوقهم البشرية حتى عادت لهم بالقانون وبالتدريج وصولا لانتخاب أول رئيس من أصول أفريقية باراك أوباما، كذلك فعلت جنوب أفريقيا وأقامت المتحف الذي يذكر العالم بمأساتها العنصرية التي ذاقت الأمرين منها وجعلتها مضرب الأمثال في التمييز والتفرقة والظلم.

وفي إسبانيا أقاموا صرحا عظيما ليذكرهم بأهوال الحرب الأهلية الكبرى التي حصلت عندهم منعا لوقوعها مجددا.

قديما كتبت مقالا أطالب فيه بإقامة متحف للجهل واليوم أعيد الطلب مجددا.

متحف توضع فيه الأشياء التي كانت تمنع وتحرم مثل الراديو والتلفزيون والصورة والكاميرا والكبك والساعة وجهاز إرسال البرقية والسيارة و«السيكل» والغترة البيضاء وتعليم البنات والسينما والكاميرا الجوال وغير ذلك من الأشياء التي أصبحت اليوم جزءا من حياتنا اليومية ولم تغير في ديننا.

هذا المتحف مهم جدا، لأنه سيظهر لنا المسافة العظيمة التي قطعناها معتمدين على العقل والنية الحسنة والتدبير وعدم التقيد بالجمود والنص الحرفي. الإنسان كائن يتطور و«الخير في أمتي حتى قيام الساعة» كما يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. بالرغم من الاقتراح قد يبدو صادما للبعض إلا أن الأجيال الحالية من الشباب عليهم أن يعلموا أن ما وصلنا إليه اليوم هو نتاج مواجهات وجمود أتعب من قبلهم وأجهدهم ولذلك من المهم جدا أن يروا أين كنا وإلى أين وصلنا حتى يحافظوا على النعمة ولا يسمحوا بخطف العقول مجددا. متحف للجهل هو أعظم شهادة بحق ما وصلنا إليه وما نحلم بالوصول إليه.