يشهد عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال أعوامه الثلاثة المباركة تحولاً وطنياً لافتاً، بل يمكنني أن أقول انقلاباً في النهج الإداري الحكومي، وبالتالي في المسيرة التنموية للوطن على حد سواء.

والواضح من خلال كثير من الإجراءات، ابتداء من برنامج التحول الوطني إلى رؤية 2030 وما تبع ذلك من تحولات في العلاقات السياسية التي صارت تبنى على التنوع وتقوم على المصالح المتبادلة، وتزامن ذلك كله مع الحزم والتخلي عن المجاملات الدبلوماسية التي كانت تمارسها المملكة في مواجهة كثير من التجاوزات الإقليمية من بعض الأشقاء العرب، أو من بعض دول الجوار، الذين ربما ظنوا خلال عقود مضت أن سياسة التغافل والتجاوز وغض الطرف إنما هي تعبير عن الرعدة والخوف والضعف، لكن الملك سلمان أزال كل تلك الظنون التي لم تحسن تقدير حلمنا وصبرنا.

وقد كان هذا التغير تجاه الخارج وفي محيط العلاقات، أما في الداخل فقد تجلى واضحاً أننا نمضي إلى حالة من التحول الاقتصادي الذي كان يتميز بقدر كبير من الهدر والإسراف والفساد، لنمضي إلى حال من الترشيد ووضع الأمور في نصابها ومكافحة الفساد، واتضح ذلك جلياً في عزل بعض الوزراء وإحالتهم إلى المحكمة، ثم جاء بعدها ما يمكن أن يتم التأريخ بها كحالة فارقة، وأعني هنا (حادثة الريتز)، والتي كانت أقوى ضربة في مواجهة الفساد، ومكمن القوة هنا في حجم ونوعية الموقوفين في هذا الأوتيل والتي أصبحت حديث العالم.

وقبل أسبوع من الآن ومع انطلاقة العام الميلادي الجديد بدأت مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي، حيث تم رفع رسوم الطاقة وفرض ضريبة القيمة المضافة، التي تعني في ما تعني أننا نتدرج في الانتقال من مكوثنا الطويل في مرحلة الاقتصاد الريعي إلى مرحلة أهم وأنفع، وهي تحولنا لممارسة الاقتصاد المنتج، والذي سيوفر للدولة تنوعاً في الموارد ومصادر الدخل، كما أن ذلك كله سيجعل من المواطن شريكاً في رسم هوية الاقتصاد الوطني، من خلال شراكته في ترشيد الاستهلاك الكمالي غير الضروري.

أخيراً فقد جاء خبر القبض على 11 أميراً من الذين احتجوا على التوجيهات التي نصت على إيقاف سداد الكهرباء والماء عن الأمراء، لتكون مؤشراً ختامياً وحاسماً على أن ما كان خلاف ما هو كائن، وأننا نمضي إلى زمن مختلف ومرحلة جديدة من المملكة العصرية الحديثة، التي تتماشى مع كل النظم والمؤسسات والتشريعات المدنية، والتي تتساوى فيها القامات، ليصبح الجميع سواسية أمام القانون، ومن هنا جاز لي أن أسمي مرحلتنا الحالية بزمن (الفطام)، الذي نقلع فيه من حالة إلى أخرى، ومن زمن اللامبالاة إلى زمن الانضباط، ومن الشعور الذي كان لا يتمتع بالمسؤولية إلى عهد الحرص والإدراك بأن الجميع في هذا الوطن يبحرون في مركب واحد، ومقتضى ذلك هو الحرص على توجيه بوصلة المركب إلى مرافئ الأمان.