ليس بسر أن السعودية تعيد صياغة وهيكلة خطابها الإعلامي ورسالتها الثقافية الموجهة للعالم لتكون ملائمة مع العصر الحديث وتعكس هويتها ورؤيتها الجديدة بعد سنوات طويلة كانت فيها أسيرة لخطاب متشدد وانعزالي. هناك توجه جديد واضح يخرج من السعودية إلى العالم فيه مفردات جديدة مثل الوسطية والتسامح والاعتدال وقبول الآخر واستخدام وسائل لتحقيق ذلك الأمر كانت غير مقبولة في السابق، وسائل مثل الترفيه والسينما والسياحة، المؤتمرات والمعارض والندوات واللقاءات المفتوحة والمهارات الحرفية والمناسبات الرياضية الكبرى.

والآن خطت وزارة الثقافة والإعلام خطوات جادة لإعادة هيكلة قنوات التلفزيون وهي خطوة مهمة وطال انتظارها وفيها قدر عال من الواقعية، وكل الأمل أن ينال القطاع الإذاعي والصحفي نفس القدر من التعاطي الواقعي في حقهما أيضا. الأهم في كل هذه المسائل أن يكون الخطاب الإعلامي والرسالة الثقافية السعودية الجديدة موجهة للداخل السعودي بقدر ما هي موجهة للخارج.

فنجاح رسالتنا للخارج لن يكون ممكنا إلا إذا نجح في الداخل أولا.

الخطاب الداخلي يجب أن يكون حاضنا وشاملا لكل أطياف المجتمع السعودي بشتى مناطقه ومكوناته الاجتماعية المختلفة، لأنها مصدر ثراء وعمق تاريخي وحضاري وإرث هائل مجيد يعكس أبعادا ثقافية وفكرية عظيمة، يجب استثماره بحكمة وذكاء حتى لا نقع في قالب أحادي ضيق وإقصائي، خطاب يعكس ما كان ينادي به مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في جلساته العديدة، خطاب يعكس المخاطر الإقصائية التي حذر منها مجلس الشورى في مناسبات مختلفة، خطاب يعكس المحاذير التي رفع راياتها كتاب الرأي في مناسبات مختلفة ضد العنصرية والتميز المناطقي والمذهبي وأمور أخرى.

المضمون الإعلامي والمضمون الثقافي يجب أن يعكس الفضاء الاجتماعي والفكري والثقافي الواسع الذي يعكس الجغرافيا العريضة للسعودية، وهو الفسيفساء الغني الذي يعبر عن ثراء السعودية الحقيقي وهو ثراء إنساني متى ما أحسن استغلاله سيكون ثراء يفوق النفط ومشتقاته. انتهى زمان الإقصاء الفكري والعزل الثقافي، أي خطاب إعلامي ورسالة ثقافية لا تعكس الواقع في الداخل قبل مخاطبة الخارج لا يمكن أن يعول عليها.

الخطاب الإعلامي والرسالة الثقافية ستكون أقوى وأهم وبمصداقية أعمق لو كانت في حالة سلام كامل وشامل مع النفس الداخلي، السعودية تستحق أن تصنع خطابا إعلاميا مميزا ورسالة ثقافية مؤثرة يليق بحجم طموحات شعبها، فهي لا ينقصها الكوادر البشرية ولا الإبداع، كل ما ينقصها فرصة عادلة وسوية اجتماعية تليق بكافة أبنائها دون استثناء.

الكل ينتظر ويتوقع رسالة ثقافية وخطابا إعلاميا مميزا من السعودية لا يقل عن تميزها الاقتصادي. في السنوات الأخيرة كانت تجربة السعوديين مع رسائلهم الإعلامية محبطة في مجملها مما اضطرهم للجوء إلى وسائل أخرى، وبالتالي اليوم هناك ضغط معنوي مفروض على الثقافة والإعلام لتقديم مضمون يعكس الواقع والطموح والآمال حتى يمكن لهم إثبات الذات والفوز بالمشاهد والمستمع والقارئ. التحدي كبير ولكن المهمة ممكنة متى ما تحققت شروط النجاح.